سورة يوسف… حين يُولد الأمل من رحم الابتلاء

سورة يوسف… حين يُولد الأمل من رحم الابتلاء
بقلم: د. بكري بن معتوق عساس
ليست كل الأحزان نهاية، فبعضها بداية لطريقٍ يقود إلى أعظم المنح. وحين اشتدت المحن برسول الله ﷺ في عام الحزن، بعد فقده زوجته خديجة رضي الله عنها وعمه أبي طالب، أنزل الله سورة يوسف؛ لا لتروي قصة تاريخية فحسب، وإنما لتكون رسالة عزاء، وبشارة رجاء، وتربية للأمة كلها بأن سنن الله لا تتبدل، وأن وراء كل محنة منحة، ووراء كل ليل فجرًا ينتظر الصابرين.
تُعد سورة يوسف السورة الوحيدة في القرآن الكريم التي عرضت قصة نبي كاملة في سياق واحد متصل، ولذلك قال سبحانه: ﴿نحن نقص عليك أحسن القصص﴾. ولم تكن أحسن القصص لجمال أحداثها فحسب، بل لما تحمله من معانٍ تربوية وإيمانية ونفسية عميقة.
تبدأ القصة بحلم طفل بريء، ثم تتوالى المحن: حسد الإخوة، وظلمة الجب، ومرارة الرق، وفتنة القصر، وظلم السجن. ولو نظر الإنسان إلى كل محطة منفردة لظن أن النهاية قد أغلقت أبوابها، لكن تدبير الله كان يصنع من كل محنة خطوة نحو التمكين.
ولذلك جاءت الآية الجامعة: ﴿إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين﴾، فهي قانون رباني لا يختص بيوسف عليه السلام وحده، بل يشمل كل من جمع بين التقوى والصبر.
وتتآزر مع هذا المعنى آيات كثيرة؛ منها قوله تعالى: ﴿فإن مع العسر يسرا * إن مع العسر يسرا﴾، وقوله: ﴿وبشر الصابرين﴾، وقوله: ﴿ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب﴾. فالقرآن يربط دائمًا بين الابتلاء والفرج، وبين الصبر والعطاء.
ومن أروع مشاهد السورة موقف يعقوب عليه السلام؛ فلم يمنعه الحزن من حسن الظن بالله، فقال: ﴿فصبر جميل﴾، ثم قال: ﴿إنما أشكو بثي وحزني إلى الله﴾. إنه درس خالد في أن المؤمن يبوح بألمه لربه، لكنه لا يفقد الأمل ولا ييأس من رحمته.
وحين تمكن يوسف من إخوته لم ينتقم، بل قال: ﴿لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم﴾، فبلغت القصة ذروتها في العفو عند المقدرة، لتؤكد أن النصر الحقيقي هو انتصار الأخلاق قبل انتصار القوة.
إن سورة يوسف ليست قصة تُقرأ فحسب، بل منهج حياة يُعاش. إنها تعلمنا أن الطريق إلى المجد قد يمر عبر الجب والسجن، وأن الأقدار التي نبكي منها اليوم قد تكون هي ذاتها التي تقودنا إلى أبواب الخير غدًا. فإذا ضاقت بك الدنيا، فاجعل سورة يوسف رفيقة قلبك، واستحضر وعد الله، وأيقن أن من أحسن الظن بربه، واتقاه وصبر، فلن يخذله الله أبدًا؛ فما بعد العسر إلا اليسر، وما بعد الصبر إلا الفرج، وما عند الله خير وأبقى.
كاتب رأي
