كُتاب الرأي

حين يتحول العمل إلى رسالة

حين يتحول العمل إلى رسالة

بقلم: د. بكري بن معتوق عساس

هل تساءلت يومًا لماذا ينجح بعض الناس في أعمالٍ مرهقة، بينما ينهار آخرون في أعمالٍ تبدو أسهل؟ إنَّ الفارق لا يكمن دائمًا في طبيعة العمل أو مقدار الجهد المبذول، بل في العلاقة التي تربط الإنسان بما يقوم به. فحين يصبح الشغف رفيقًا للطريق، تتحول المشقة إلى معنى، ويغدو التعب جزءًا من رحلة تستحق أن تُعاش.

ويُنسب إلى الأديب الروسي ليو تولستوي قوله: «سرُّ السعادة ليس في أن تفعل ما تحب، بل أن تحب ما تفعل». وهذه الفكرة لا تدعونا إلى انتظار الوظيفة المثالية أو الظروف الكاملة، وإنما إلى اكتشاف القيمة الكامنة فيما بين أيدينا، وإتقان العمل بإخلاص ووعي.

وقد أثبتت دراسات في علم النفس الإيجابي أن الأشخاص الذين يشعرون بأن لعملهم رسالة ومعنى يتمتعون بدرجات أعلى من الرضا، والقدرة على التحمّل، والإبداع، مقارنةً بمن ينظرون إلى أعمالهم على أنها مجرد وسيلة لكسب الرزق. كما أن الشعور بالإنجاز يتعزز عندما يدرك الإنسان أثر عمله في حياة الآخرين، مهما بدا بسيطًا.

وليس المقصود أن يحب الإنسان كل تفاصيل عمله، فلكل مهنة تحدياتها وضغوطها، لكن النجاح الحقيقي يبدأ عندما يغيّر الإنسان نظرته إلى ما يقوم به، فيرى في كل مهمة فرصة للتعلّم، وفي كل عقبة درسًا، وفي كل إنجاز خطوة نحو مستقبل أفضل.

إن السعادة ليست هدية يمنحها لنا الواقع، بل مهارة نصنعها بطريقة تفكيرنا، وامتناننا، وإخلاصنا فيما نؤديه. وعندما نمنح أعمالنا قلوبنا، تتحول الواجبات إلى رسائل، والروتين إلى مساحة للنمو، والإنجاز إلى أثرٍ يبقى بعد رحيلنا.

ليس كل طريقٍ مفروشًا بما نحب، لكن القلوب التي تتقن صناعة المعنى قادرة على أن تُزهر حتى في أكثر الدروب وعورة، وأن تجعل من العمل رسالة، ومن التعب قيمة، ومن الحياة رحلةً تستحق أن تُعاش.

كاتب رأي 

 

 

معالي الدكتور بكري عساس

مدير جامعة أم القرى سابقا وأديب سعودي وكاتب رأي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.