في ظلال المسرح

أمينة رزق

أمينة رزق

عذراء الفن وسيدة المسرح العربي

بقلم: بكري بن معتوق عساس

يصعب الحديث عن تاريخ الفن العربي دون التوقف أمام اسم الفنانة أمينة رزق، التي استحقت عن جدارة لقب «عذراء الفن». فقد جمعت بين الموهبة الرفيعة والانضباط الأخلاقي والالتزام الفني، وقدمت عبر أكثر من سبعة عقود مدرسة متكاملة في الأداء المسرحي والسينمائي والتلفزيوني.

وُلدت أمينة محمد رزق في مدينة طنطا في 15 أبريل 1910. وبعد وفاة والدها وهي في الحادية عشرة من عمرها، انتقلت مع والدتها إلى القاهرة للإقامة لدى خالتها الفنانة أمينة محمد، وكانت تلك الخطوة بداية علاقتها بعالم المسرح. ولم يمض وقت طويل حتى وقفت على خشبة المسرح وهي في الثانية عشرة من عمرها، لتبدأ رحلة استثنائية مع الفن.

التحقت لاحقاً بفرقة رمسيس بقيادة الفنان الكبير يوسف وهبي، الذي آمن بموهبتها وأسهم في صقلها. وقد ارتبط اسمها به لسنوات طويلة، حتى ظن كثيرون أنهما تزوجا، إلا أن الحقيقة أن العلاقة بينهما كانت علاقة فنية وإنسانية عميقة، ولم تجمعهما حياة زوجية.

أما على المستوى الشخصي، فقد روت أمينة رزق بنفسها قصة خطبتها من الضابط محمد وهبي. وأوضحت أنها كانت تخشى أن يحول الزواج بينها وبين رسالتها الفنية، فتراجعت عن الخطوبة الأولى. وبعد سنوات عاد الضابط طالباً الزواج منها مرة أخرى، وتم عقد القران، غير أن خلافاً وقع بينهما قبل الزفاف أدى إلى الطلاق، لتنصرف بعد ذلك نهائياً إلى الفن، ولم تتزوج طوال حياتها، وهو ما جعل الصحافة تطلق عليها لقب «عذراء الفن».

قدمت أمينة رزق رصيداً فنياً ضخماً تجاوز مئات الأعمال، وشاركت في عشرات المسرحيات مع فرقة رمسيس، كما تركت بصمة خالدة في السينما من خلال أفلام مثل: «دعاء الكروان»، و«بداية ونهاية»، و«نهر الحب»، و«بين القصرين»، و«السكرية»، و«رد قلبي»، و«الحرام»، و«الزوجة الثانية»، وغيرها من الأعمال التي أصبحت علامات في تاريخ السينما العربية.

وفي الدراما التلفزيونية واصلت تألقها، فشاركت في أعمال بارزة مثل «الضوء الشارد»، و«ليالي الحلمية»، و«هوانم جاردن سيتي»، إضافة إلى العديد من السهرات التلفزيونية والإذاعية التي أبرزت قدرتها على أداء الشخصيات المركبة.

تميزت أمينة رزق بقدرتها الفائقة على تجسيد شخصية الأم والجدة والمرأة القوية، حتى أصبحت رمزاً للوقار والرقي الفني، وحصدت خلال مسيرتها عدداً كبيراً من الأوسمة والتكريمات، كما اختيرت عضواً في مجلس الشورى تقديراً لعطائها الثقافي والفني.

وفي الرابع والعشرين من أغسطس 2003 رحلت أمينة رزق عن عمر ناهز ثلاثة وتسعين عاماً إثر أزمة قلبية، لكنها تركت إرثاً فنياً خالداً ما زال حاضراً في ذاكرة المشاهد العربي. لقد أثبتت أن الخلود الحقيقي لا تصنعه الشهرة العابرة، بل تصنعه الموهبة الصادقة، والالتزام، واحترام الفن والجمهور.

كاتب رأي 

 

 

معالي الدكتور بكري عساس

مدير جامعة أم القرى سابقا وأديب سعودي وكاتب رأي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.