أصحاب الأثر

هتّان امرأة تركت قلبها في القصائد

هتّان امرأة تركت قلبها في القصائد

وداد بخيت الجهني 

نسمات شرقية آتيه من صوب الأحساء، تصهل قصائدها كخيل اعتاد الفوز، صوت شعري هادئ لا يُبالي بالضجيج، أبدعت في الحضور وهي غائبة عن الأعيان.

أنها الأميرة، والشاعرة السعودية لينا عبد الله إبراهيم العجاجي من مواليد محافظة الأحساء،

تزوجت من الأمير المعتز بن سعود بن عبد العزيز آل سعود وقد عاشا معاً أجمل قصة حب -، تغنت بها كثيرًا في أشعارها – تكللت بأنجاب ثلاثة أطفال بنتان هما عهد، وعذبة، وولد وحيد هو الأمير شقران

غادرت الأراضي السعودية وتوجهت إلى الولايات المتحدة لتصحب زوجها في عمله؛ حيث كان يعمل انذاك مدير عام لمكتب الحرس الوطني لدى أمريكا، بتكليف من عمه الملك عبد الله بن عبد العزيز آل سعود – رحمه الله-، وعاشت فيها وتحديدًا في ولاية فرجينيا عدة سنوات حتى وفاة زوجها فعادت إلى أرض الوطن، وتفرغت لرعاية أبنائها، واختارت الابتعاد عن المشهد الشعري، مُغلقة باب توهجها، ومكتفية بمنتوجها الشعري الذي نُشر، ولسان الحال كما تقول:

وجودي والعدم واحد

ما دام اللي يقولون الشعر واجد

ويبقى كل شي عادي

ويعني ايش.. غاب واحد

كتبت الشعر في سن مبكرة وكانت تطرح قصائدها باسم مستعار “هتّان” وهو لقب اشتهرت به قبل أن ُتفصح عن اسمها الحقيقي لاحقًا،

انطلقت مبكرًا بإبداعاتها فكانت لها مشاركات شعرية، ونثرية، في العديد من الصحف، والمجلات السعودية، والخليجية، وحققت تجربتها الشعرية صيتًا عربيًا واسعًا حيث تغنى بكلماتها كثير من الفنانين أمثال، رابح صقر، وعبد المجيد عبد الله، وعبد الله رويشد، ونوال الكويتيه، وذكرى، وأنغام وأصيل أبو بكر… وغيرهم الكثير

يمتاز تناولها الشعري، باللغة الشفافة القريبة من البوح الأنساني، وعاطفة رقراقة صادقة، وتعابير موسيقية عذبة، تستبكي العيون، وتستمطر الدموع.

.من يستمع إلى قصائدها يشعر بمتعة خاصة، ويجدها قريبة إلى قلبه؛ لأنها تُعبر بصدق عن عواطف، ومشاعر الكثيرين.

أخذت وهجها الشعري منذ قصيدتها الأولى “عين الشمس” التي نُشرت في إحدى الصحف اليومية وصدح بها موسيقار الخليج الفنان “رابح صقر” تقول كلماتها:

تحط عينك بعين الشمس

بزعمك تقدر تكابر

مين يقوى بأصابع خمس

يغطّي نورها الكاسر

تبي تخفي غرامك ليه!!

وأنت تقدر تجاهر

وتتحدى مشاعر قلب

وأنت للأسف خاسر

ومن عذب شعرها قصيدة بعنوان “أنت مؤلم” التي تعجّ

بكلمات شجيّة تئن وجع، وعاطفة مُتعبة تُصارع جرح نازف لم يبرأ ولم يجد سبيلاً للالتئام من أجوائها:

أنت مؤلم أنت جاني

أنت ما اضنك تعاني

أنت جرح بيوم أسود

أنت جبار وأناني

لو عرفتك قبل ما أعشق

لو تركتك قبل ما أغرق

لو تأنيت بزماني

كان وضعي اليوم ثاني

وللرثاء حيز في شعرها عبرت فيه عن ما يُخامر فؤادها من الأسى، واللوعة على فقدان زوجها المبكر الذي شكل لها صدمة كبيرة؛ فكانت كلماتها آهات نسجتها من خيوط الألم الذي طرق نوافذ قلبها، وتدفق على مسرح حياتها، فغزلت قصيدة “الفارس” سكبت فيها شكوى مريرة، أقتطف منها:

قمت أحسب أيامي واعد الليالي

ولا فجعني مثل بعض الصداقات

توي دريت أني وحيده لحالي

الحين أصدق غصب : معتز قد مات

فقدت أخوي وصاحبي رأس مالي

وغرقت عقبه في بحور عميقات

ومن مختارات شعرها أيضًا قصيدة بعنوان “حرية قرار” التي تغنت بها حنجرة الفنانة أنغام منها:

عطني حرية قرار

لحظة بس للاختيار

فيها أتأمل حياتي

وضعنا وكل اللي صار

ومن روائعها أيضًا قصيدة بعنوان “أَبِي أنسان” أنتقي منها:

ما أَبِي جرح ولا أبِي خوف ولا أبِي أحزان

أَبِي موقف أَبِي كلمة تهز أوطان

دخيل الله… أَبِي أنسان

هذا نزر يسير وغيض من فيض أشعار هتّان الكثيرة، التي تزهو بأنغام موسيقية عذبة، وتفيض مشاعر صادقة، وشجن نازف، غيبها الموت عن عالمنا بعد رحلة طويلة من الابتعاد الاختياري في 21 مارس 2019م أثر وعكة صحية ألمت بها ودُفنت في مقابر المزروعية في الهفوف في محافظة الأحساء بعد أن صُلي عليها في جامع آل ثاني بحي المثلث، ونعىت رحيلها نخب ثقافية، وأدبية، وشخصيات فنية سعودية، وخليجية عَبْرَ منصات التواصل الاجتماعي بعبارات حزينة داعين لها بالرحمة، ولذويها بالصبر.

رحلت “لينا” بهدوء تُدثر روحها الدعوات الصالحات -رحمها الله رحمة واسعة- وبقيت، وستبقى “هتّان” التي أعطت، وأجادت، حاضرة في دوحة الشعر، قصيدة خالدة لا تغيب فالذهب الشعري الأصيل سيبقى مُشعًا، وإن غابت اليد التي صقلته.

كاتبة رأي

 

 

وداد بخيت الجهني

أديبة سعودية وكاتبة رأي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.