كُتاب الرأي

حين يكتب الشاعر ويُغني الوطن

حين يكتب الشاعر ويُغني الوطن

وداد بخيت الجهني

” السيرة أطول من العمر” عبارة تحمل بين طياتها حقيقة لا يختلف عليها اثنان “إن غابت الصور،ودُفنت الأجساد؛ظل الأثر حاضرًا “فالسيرة العطرة تهب أصحابها خلودًا لا يغيب،وأعمارًا فوق أعمارهم ؛فالشخصيات المؤثرة وإن رحلت جسدًا تظل باقية في قلوب الناس، فكيف إذا كان الغائب كاتب مبدع!؟

ومن المبدعين الذين حلقوا بنّا فوق القمم ،وغيبهم الموت  ،وخلدهم إرثهم الابداعي” جواهرجي الأغنية السعودية” “شاعر الوطن “شاعر السلام الملكي “إبراهيم خفاجي ،قامةشامخة ،وعلامة بارزة ،وفارس لايشق له غبار في ميدان الشعر،رائد الأغنية السعودية، ولد في مكة المكرمةعام ١٣٤٥هـ  لعائلة  أدبيّة من قبيلة خفاجة ، نشأ وترعرع في حي سوق الليل,درس في “مدرسة الفلاح” الشهيرة بمكة المكرمة ،و”مدرسة دار العلوم الدينية”ثم التحق “بمدرسة اللاسلكي”

وتخرج منها عام1944م وعمل مأمورًا لا سلكيا،وتنقل بين مدن ،وقرى المملكة،ثم عاد إلى مكة المكرمة ليشغل فيها وظيفة بقسم الأخبار في النيابة العامة، ثم إلى قسم الاستماع في الأذاعة عام 1373م، ثم انتقل فيما بعد إلى وزارة الصحة ؛عمل بقسم المحاسبة، ثم رئيسًا للقسم، ثم وكيلًا للأدارة المالية،ثم التحق بمعهد الإدارة بالقاهرة،وحصل على دبلوم في إدارة الأعمال،والإدارة المالية، فأصبح مديرًا للإدارة المالية بوزارة الزراعة لشئون المياه في الرياض،ثم المفتش المركزي لوزارة الزراعة،والمياه في المنطقة الغربية،،وفي عام 1389هـ طلب إحالته إلى التقاعد فأجيب طلبه بعد خدمة تقرب 25عامًا.

موهبة الخفاجي الشعرية بدأت منذ وقت مبكر، استمدّ أشعاره من الفلكلور الشعبي السعودي ،والمفردة الحجازية الجميلةالدارجة،مما جعله يُثبت وجوده بقوة على الساحة الشعبية،تميزت كلماته بالبوح الصادق،والمفردة العذبة، و الإحساس العميق ،ورقة التعبير الذي يُلامس أوتار القلوب، أبحر في فضاء القصيدة المغناة مابين قوافيها الأصيلة,ومعانيها

 العذبة، فكانت أولى قصائده المغنّاة “ياناعس الجفن لبيه” التي لحنها ،و تغنى بها طارق حكيم ،من كلماتها:

يا ناعس الجفن ..     أرحم جفني المجروح

يا مايس القد..         صدك زاد قلبي جروح 

كتب  شاعرنا أكثر من 600 قصيدة غنائية تغنى بها نخبة من الفنانين ،من أشهرها”تصدق ولا احلفلك”وكأنك مانت عارفني”وعلى شأنه” التي صدح بها طلال مداح بصوته الشجي، كما حظى محمد عبده بنصيب الأسد من قصائده  ” منها “لنا الله”أشوفك كل يوم”مافي داعي… ألخ  كما تغنى له الكثير من المطربين العرب ،أمثال صباح،ووديع الصافي،وهيام يونس،  وسميرة توفيق… وغيرهم مما جعل لقصائده شهرةً ،وذيوعًا ، كتب أوبريت الجنادرية”عرائس المملكة”الذي استغرقت كتابته ثمانية أشهر ،ولحنه محمد عبده،وغناه وشاركه الغناء، طلال مداح،وعبد المجيد عبد الله،وراشد الماجد.

لُقب “بأستاذ الأغنية السعودية، “وعراب الفن “كما لقبَ نفسه بلقب “شاعر نادي الهلال”و قد عبر عن ذلك في قصيدته “هلال نجد”ببيت  أصبّح الأشهر في عالم الرياضة يقول فيه:

إذا لعب الهلال فخبروني..     فأن الفن منبعه ُالهلال

امتع ناظري بهلال نجدٍ.    فمن قمصانه خلق الكمال

ومن منجزاته المتألقة أنه كُتب له شرف كتابة النشيد 

الوطني، ففي أثناء زيارة الملك خالد -رحمه الله -لمصر استمع فيها للنشيد الوطني المصري أثناء استقبال الرئيس المصري الراحل محمدأنور السادات له ؛فأعجب به بشدة، ولاحظ أن السلام الملكي  السعودي موسيقى فقط بدون كلمات ؛ فنقل الملك خالد  الفكرةإلى وزير الأعلام عبده يماني أنذاك، ومن هنا كان ميلاد النشيد الوطني ،فبدأت عملية البحث عن مؤلف،وشاعر، يقوم بكتابة نص يُلائم،ويتوافق  مع لحن السلام الوطني للمملكة ،فوقع الاختيار على الشاعر إبراهيم خفاجي لكتابته ،ولكن الفكرة توقفت وتعطل تنفيذها؛لوفاة الملك خالد -رحمه الله -إلا أن لعمل عاد ليرى النور برغبة من الملك فهد -رحمه الله -الذي اشترط خلّو النشيد من اسم الملك،وألا يخرج عن العادات والتقاليد. استمرّ الشاعر خفاجي يعمل على انجازه ستة أشهر متواصلة؛حتى اكتملت كلماته،فسلّمه إلى الموسيقار سراج عمر لتركيبه،وتوزيعه على موسيقى السلام الملكي، ثم بعد ذلك عُرض على مسامع الملك فهد-رحمه الله -الذي أُعجب بكلماته،وألحانه،وتوافقه مع السلام الملكي، فأمر -رحمه الله-باعتماده، وتوزيعه على جميع الوزارات، ،والسفارات،والإدارات ،والمرافق الرسميةالسعودية داخل المملكة وخارجها،ليكون معتمدًا في جميع المناسبات الرسمية،والاحتفالات الوطنية،وقد بدأ بثه للمرة الأولى رسميًا، في البث التلفزيوني،والإذاعي بتاريخ 30يونيو 1984. 

يزدان نشيدنا الوطني بكلمات تحمل مبادئ ،وقيم نؤمن بها جميعًا،كلمات تحمل معاني العزة،والولاء،والشموخ والانتماء للوطن ،وقيادته،

سَارِعِي لِلمَجْدِ وَالْعَلْيَاء

مَجِّدي لِخالِقِ السَّمَاء

وَارفَعِ الخَفَّاقَ أخْضَرْ

يَحْمِلُ النُّورَ الْمُسَطَّرْ

رَدّدي الله أكْبَر يَامَوْ طِنِي

مَوْطِنِي عِشْتَ فَخْرَ الْمسلمِين

عَاشَ الْمَلِكْ:لِلْعَلَمْ وَالْوَطَنْ

حصل شاعرنا على ميدالية الاستحقاق من الدرجة الأولى مع البراءة الخاصة به،عام 1405هـ من الملك فهد بن عبد العزيز-رحمه الله- تقديرًا لمجهوداته في وضع كلمات النشيد الوطني ،كما نال وسام الملك عبد العزيز-رحمه الله-من الدرجة الأولى، وكرمه تعليم مكة المكرمة  حيث اعلن استبدال اسم” مدرسة الفهدية الابتدائية “ليصبح اسمها الجديد”مدرسة خفاجة الابتدائية” كما نال جائزة الإذاعة البريطانية لأفضل أغنية في فترة السبعينات الميلادية عن أغنيته(أشقر شعره ذهب) كُرم أيضًا من نادي مكة الأدبي،وكرمته جمعية الثقافة،والفنون بجدة عام 2000 لعطاءاته المتميزة. 

وبعد ركض في ميدان الشعر ،والحياة ترجل فارسنا المبدع عن صهوة الحياة يوم الجمعة  الرابع والعشرين من نوفمبر عام 2017عن عمر يناهز 91 عامًا متأثرًا بمرضه ،بمدينة الملك عبد الله الطبية في مكة المكرمة ودُفن في مقبرة المعلاة بعد الصلاة عليه في المسجد الحرام، مخلفًا بصمة لاتُمحى،ومخلدًا ذكرى طيبة ،وصفحة مضيئةوقُعت بالحب ،والعطاء،،مضى بهدوء العظماء، لكنه سيبقى في القلب،والذاكرة،سيظل ذكره براقًا بيننا،وفي قلوبنا خالدًا بإرثه الابداعي الكبير،وسيبقى حضوره، حيًا،ومتوهجًا في ذاكرة الوطن كلما رفرف العلم السعودي عاليًا.

‬كاتبة رأي 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى