سيمفونية الحزن في الشعر العربي
سيمفونية الحزن في الشعر العربي
وداد بخيت الجهني
أمام عجز الإنسان عن حتمية الموت، وما يتبعه من لوعة مريرة،وصرخات مكتومة ،وألم عميق، وحنين لايهدأ،يلجأ الإنسان إلى التنفيس عن عوالج حزنه،وتخفيف فاجعته، أم بالبكاء،أو الرثاءإذا كان من القادرين عليه سواء كان نثرًا ،أو شعرًا،فالرثاء فن يجمع بين الجمال والألم يسكب فيه الكاتب روحه المجروحة،ومشاعره الصادقة،وعواطفه الفياضةبشجون الأسى ؛خاصةً عندما يكون الحدث مؤثرًا في نفسه ،وقلبه ،وهو فن شعري عربي أصيل يُعدد مناقب الميت،ويُمجد فضائله،ويتغنى بها،يحمل في جوانح كلماته الصدق،واللوعة،والألم، وقد نظم فيه الرجال،والنساء على حد سواء؛لارتباطه بالمشاعر،والأحاسيس،والعواطف،وكان منتشرًا منذ العصر الجاهلي،ولم يكُ مقتصرًا على الأهل فقط،بل كانوا يرثون أصدقائهم،وأحبتهم،وكبار القوم،وسادتهم، وحتى كانوا يرثون أنفسهم،ويظل رثاء الأقرباء هو الأصدق ،والأعمق،وقد أبدعت المرأة الشاعرة في الرثاءأيمَّا إبداع؛وذلك لما تمتلكه من عواطف، ومشاعر لا تُدانيها قدرة الرجال . فعندما تبسط مساحةالحزن ظلالها على روحها، وتصبح جدران الحياة بلا نوافذ، تبحث عمَّا يُهدي لوعة فؤادها ,ويُخفف قهر فقدها،وهول مصيبتها،فتعزف بسواد حزنها سيمفونية رثائية تنزف بالدمع ,وتفيض بالوجع، والآهات ،وتطفح بكلوم الفاجعة،، ومن جميل ذلك رثاء الخنساء لأخيها صخر وتعبيرها عن مدى مرارتها بفقدانه إذ تقول:
تبكي خناسُ على صخرٍ وحقَّ لها
إذ رأبها الدّهرُ إنَّ الدَّهرَ ضرَّارُ
“فالخنساء عزف منفرد في عالم الشعر العربي” أبدعت في الرثاء؛اشتهرت في رثاء أخويها “معاويه”و”صخر” وخاصة صخر” فحبَّها له فاق محبة أبنائها،ولا عجب”فصخر كان فردًا في العدد ، قبيلةً في الميزان”، فقد كان الجبل الذي سندت نفسها عليه، أغدقها حبُّا،ودلالاً ،وبسط يده لها بسخاء ،وإيثار، فقابلته بوفاء أسطوري بعد رحيله، نحتت له تمثالاً بداخلها يرافقها في حلها وترحالها،رفعت ذكره في دنياها،وخلدت اسمه في ديوان الرثاء العربي.ومن أعظم ما أنشده قلبها المكلوم قولها:
قذى بعينكِ أٌمْ بالعينِ عوُّارُ
أمْ ذرَّ فتْ إذخلتْ منْ أهلهَا الدّارُ
كأنّ عيني لذكراهُ إذا خطرتْ
فيضُ يسيلُ على الخدَّينِ مدرارُ
ومن درر بكائياتها التي تنساب في رهافة،وإيقاع آسر قولها:
أُلا ياصَخُر إن أبكيت عيني
فقد أضحكتني دهرًا طويلاً
دَفَعْتُ بك الجَلَيْل وأنتَ حَيُّ
فَمَن ذا يدفعُ الخَطَب الجلَيلا
ولم يقتصر الأمر على الخنساء قط فهناك نساء شاعرات عِشْنَ غياهب الحزن فبرعن في المراثي
فهذه جليلةبنت مرة الشيباني التي صبَّت تفجعها المرير على فقد زوجها كُليب بن ربيعة بقصيدة شجية إذ تقول:
يا قتيلاً قوَّض الدّهرُبِه* سَقْفَ بيتيَّ جميعًا مِنْ عَلِ
ورماني فَقْدهُ مِنْ كَثبٍ*رَمْيةَالمُصْمى به المُستأصَلِ
هَدَمَ البيتَ الذّي اسْتَحْدَثْهُ*وسعَى في هَدْمِ بيْتي الأوَّلِ
ويستمر حبل الرثاء مع شاعرة أُخرى مبدعةتتقطر مرثياتها ألمًا ،وحسرةً ،وحزنًا ،الشاعرة ليلى الأخيلية “إحدى أميرات الشعر العربي “فمن أجمل مرثياتها ، قولها في رثاء”توبة بن الحميّر”
أقسمْتُ أَرْثي بَعْدَ توبة هالِكاً
وأحفلُ من دارَتْ عليهِ الدوائر
لعمرك ما بالموْتِ عارُ على الفَتى
إذا لمْ تُصبْهُ في الحياةِالمعايِرُ
هذه نماذج لبعض القصائد التي تغص بها دواوين الشعر،والموسوعات الأدبية، ويشدو بها كل محزون مرَّ بحالة فقد،و تألقت بها شاعرية المرأة تألقًا عظيمًا.
ومضة ختامية
الرثاء من أجمل فنون الشعر ،وأعذبه ،وأصدقه ؛فهو يُجسد المعاناة الإنسانية في أبرز صورها، ويذكر الإنسان أن كل من سار على الأرض فهو مرتحل ،وأن لكل منّا طريقته في تخفيف ثقل الروح،والهرب بعيدًا عن الأسى،وأن الحزن على غياب المرافئ الآمنة يُعلمنا الكتابة،”فالشمس حُرّة في سريانها.”
كاتبة رأي