كُتاب الرأي

*بين التصعيد والتفاوض .*

*بين التصعيد والتفاوض .*

*رؤية إستراتيجية .*

*مع دخول الحرب الأمريكية ـ الإيرانية الراهنة يومها المئة، لا تبدو المنطقة أقرب إلى الحسم العسكري، كما لا تبدو أقرب إلى التسوية السياسية. فبعد مئة يوم من الضربات والتهديدات والوساطات والتحركات العسكرية، ما زال السؤال الأكبر بلا إجابة واضحة: كيف تنتهي هذه الحرب، ومن يملك القدرة على رسم شروط نهايتها؟*

*وتكشف تطورات الساعات الأخيرة أن الصراع دخل مرحلة جديدة تختلف عن كثير من مراحله السابقة. فالصواريخ الإيرانية التي أطلقت باتجاه إسرائيل، والردود الإسرائيلية داخل إيران، والإطلاق المتزامن من الحوثيين باتجاه إسرائيل، كلها تؤكد أن الأزمة ما زالت قادرة على إنتاج جولات جديدة من التصعيد. غير أن التطور الأكثر أهمية لا يتمثل فيما حدث، بل فيما لم يحدث.*

*فحتى هذه اللحظة ما زالت الولايات المتحدة تتجنب الدخول المباشر في المواجهة العسكرية رغم وجود قواتها وقواعدها المنتشرة في المنطقة، ورغم التهديدات الإيرانية المتكررة للمصالح الأمريكية. ويعكس ذلك إدراكاً أمريكياً بأن أي انتقال إلى مواجهة مباشرة قد يدفع الأزمة إلى مستوى مختلف تماماً من التصعيد يصعب احتواء نتائجه السياسية والعسكرية والاقتصادية.*

*ويكتسب الإطلاق المتزامن من إيران والحوثيين أهمية خاصة من الناحية العملياتية، لأنه يشير إلى محاولة فرض ضغط متزامن على منظومات الإنذار والدفاع الجوي الإسرائيلية من أكثر من اتجاه وفي توقيت واحد. ورغم أن هذا الأسلوب لم يحقق حتى الآن تغييراً جوهرياً في ميزان القوى، إلا أنه يعكس سعياً واضحاً لرفع الكلفة الدفاعية وتعقيد عملية اتخاذ القرار لدى الطرف المقابل. وتؤكد العودة المتكررة للملاجئ داخل إسرائيل أن الصراع لم يعد يقاس بحجم الأضرار المادية وحدها، بل بقدرته على استنزاف الشعور بالأمن لدى المجتمعات الواقعة تحت التهديد المستمر.*

*ومن هنا تبدو الحرب وكأنها تتحرك على مسارين متوازيين؛ مسار التصعيد الذي تحكمه الحسابات العسكرية، ومسار التفاوض الذي تحكمه حسابات السياسة والزمن. وكلما تقدم أحد المسارين خطوة عاد الآخر ليفرض نفسه من جديد.*

*وتشير القراءة الإستراتيجية إلى أن إيران لا تستخدم القوة بهدف تغيير ميزان القوى بصورة حاسمة بقدر ما تستخدمها لتحسين شروط التفاوض ومنع خصومها من الوصول إلى نهاية سياسية مريحة للحرب. فبعد مئة يوم من القتال لا يبدو أن الهدف الإيراني الرئيس يتمثل في تحقيق نصر عسكري تقليدي، بقدر ما يتمثل في منع الولايات المتحدة وإسرائيل من الوصول إلى لحظة إعلان نصر سياسي واضح أو فرض تسوية نهائية تعكس نتائج الحرب لمصلحتهما.*

*وفي المقابل تدرك إسرائيل أن التفوق العسكري وحده لا يكفي ما لم يتحول إلى مكسب سياسي وإستراتيجي مستدام. كما تدرك واشنطن أن الزمن يرفع الكلفة السياسية والاقتصادية لأي صراع طويل، ولهذا تبدو أكثر اهتماماً بمنع توسع الحرب من اهتمامها بالدخول المباشر فيها.*

*وقد يكون أهم ما تكشفه المئة يوم الأولى من الحرب أن الصراع لم يعد يدور حول من يملك القوة الأكبر فحسب، بل حول من يستطيع إدارة الزمن بصورة أفضل. فإيران تراهن على الصمود وإطالة الأزمة. وإسرائيل تراهن على استمرار الضغط العسكري. أما الولايات المتحدة فتراهن على الاحتواء ومنع التصعيد الإقليمي الكبير.*

*وتشير الوقائع الميدانية إلى أن استمرار الإطلاقات الإيرانية والحوثية لا يقرب المنطقة من التسوية، بل يدفعها نحو مستويات أعلى من المخاطر وعدم الاستقرار. فبعد مئة يوم من الحرب لم يعد ممكناً النظر إلى هذه العمليات بوصفها مجرد ردود متبادلة، بل أصبحت جزءاً من مسار تصعيدي يوسع دائرة التوتر ويزيد احتمالات سوء التقدير. كما أن فتح جبهات إضافية وإطلاق الصواريخ من أكثر من محور لا يغير جوهر ميزان القوى بقدر ما يضاعف مخاطر انزلاق المنطقة إلى مواجهة أوسع سيدفع ثمنها الجميع. وتكشف هذه التطورات أن النظام الإيراني والحوثيين يواصلون المراهنة على توسيع دوائر الضغط والتوتر الإقليمي، في وقت أصبحت فيه المنطقة أحوج ما تكون إلى احتواء الصراع لا إلى توسيع ساحاته.*

*ولهذا فإن أخطر ما في المشهد الحالي ليس الصاروخ الذي أطلق اليوم، ولا الضربة التي نفذت هذا الصباح، بل سلسلة الردود المتبادلة التي أصبحت تدفع جميع الأطراف تدريجياً نحو حافة لا يرغب أحد في تجاوزها، ولا يستطيع أحد تجاهلها. فالحروب الكبرى لا تبدأ دائماً بقرار شامل، بل كثيراً ما تبدأ حين يعتقد الجميع أنهم ما زالوا يسيطرون على مستوى التصعيد.*

*الخاتمة .*

*الزمن يكشف ما تعجز القوة عن كشفه. وأطول الحروب ليست تلك التي يكثر فيها القتال، بل تلك التي يعجز الجميع عن إنهائها. أما التاريخ فلا يتذكر دائماً من أطلق الطلقة الأولى، لكنه يتذكر من نجح في فرض شروط النهاية، ومن منع خصومه من فرضها.*

كتبه :
اللواء البحري الركن م .
عبدالله بن سعيد الغامدي ( متقاعد )

*يوم الإثنين الموافق ( 8 )جون 2026 .*

 

اللواء عبدالله بن سعيد الغامدي

أديب سعودي وكاتب رأي وملحق عسكري سابق

تعليق واحد

  1. قد تبدأ الحروب بالرصاص، لكنها تنتهي بالنتائج. والزمن كفيل بإظهار من كان يملك رؤية النهاية، لا مجرد القدرة على خوض المعركة
    اللواء متقاعد على الغامدي مستشار اكاديمي بمعهد الجسور المتميزة للتدريب ورئيس تنفيذي لمكتب القيادة المتكاملة للاستشارات والتطوير الاداري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.