كُتاب الرأي

الزيارة أدب حضور لا مجرّد وجود

الزيارة أدب حضور لا مجرّد وجود

رؤى مصطفى

من أخلاقيات الزيارة أن يدرك الإنسان أن دخوله إلى بيت شخص ما ليس أمرًا هامشياً، بل هو دخول إلى مساحة أعدّها صاحبها لاستقباله. فهناك من رتّب مجلسه، وأعدّ قهوته، وجهّز ضيافته، وفتح بابه ووقته وقلبه، منتظرًا حضورًا يليق بهذا الاهتمام.

فالزيارة في معناها الإنساني ليست مجرد انتقال من مكان إلى آخر، ولا أداء واجب اجتماعي ينتهي بالجلوس والمجاملة، بل هي لحظة تواصل واحترام، تُقاس بقيمة الحضور لا بطول الوقت. وحين يزور الإنسان الآخرين، أو يستقبلهم في منزله، فإن من أبسط آداب ذلك أن يقدّر وجودهم، وأن يشعرهم بأنهم موضع اهتمامه.

لكن ما يحدث أحيانًا أن يأتي البعض بأجسادهم، ويتركون انتباههم معلّقًا بشاشات هواتفهم. يجلس الضيف في المجلس، وصاحب البيت منشغل بإكرامه، يسأله، ويحادثه، ويحاول أن يخلق جوًا من الألفة، بينما الضيف يرد بعين على الشاشة، وأذن نصف حاضرة، وابتسامة سريعة لا تكفي لجبر خاطر من استقبله بكل ترحيب.

هذا التصرف لا يبدو بسيطًا كما يظنه البعض لأنه قد يُشعر صاحب البيت بأن جهده لم يُقدّر، وأن حضوره واهتمامه أقل قيمة من رسالة عابرة أو مقطع قصير. فالإنسان حين يستقبل ضيفًا لا ينتظر منه الكثير، لكنه ينتظر احترام اللحظة، ودفء المشاركة، وشعورًا بأن زيارته لم تكن مجاملة بلا روح.

الهاتف أصبح رفيقًا دائمًا لنا، لا يكاد يغيب عن أيدينا. نستخدمه في الطريق، وفي أوقات الفراغ، وبين الأعمال، وقبل النوم، وبعد الاستيقاظ. لذلك فإن من الذوق أن نمنح الزيارة وقتها الخاص، فهي غالبًا محدودة، ولا تتكرر دائمًا. أما الهاتف فسيبقى حاضرًا معنا بعد انتهاء اللقاء، ويمكن العودة إليه في أي وقت.

إن الانشغال بالجوال أثناء الزيارة يخلق مسافة صامتة بين الناس. قد يكون الجالس قريبًا بجسده، لكنه بعيد بانتباهه ومشاعره. وهذا النوع من الغياب مؤلم أحيانًا؛ لأنه لا يحتاج إلى كلمات جارحة ليُشعر الآخرين بأنهم غير مهمين، بل يكفي أن تكون العين معلّقة بالشاشة، والأذن نصف حاضرة، والردود مقتضبة وخالية من التفاعل.

وليس المقصود أن يُمنع الإنسان من استخدام هاتفه تمامًا أثناء الزيارة، فقد تطرأ حاجة، أو اتصال مهم، أو أمر لا يحتمل التأجيل. لكن الفرق كبير بين الاستخدام العابر عند الحاجة، وبين أن يتحول الجوال إلى شريك أساسي في المجلس، يأخذ من الحديث روحه، ومن اللقاء دفئه، ومن الضيافة قيمتها.

حين تأتي بيت شخص اهتم بقدومك، فامنحه من حضورك ما يوازي اهتمامه. لا تجعل عينيك معلّقتين بالشاشة وهو يحاول أن يكرمك، ولا تجعل صمته يقول ما لا يستطيع قوله: أن وجودك حاضر، لكن اهتمامك غائب. فالبيوت لا تفتح أبوابها للأجساد فقط، بل للقلوب التي تعرف معنى التقدير.

إن احترام الزيارة يبدأ من تقدير الوقت والناس. فمن اختار أن يذهب إلى الآخرين، أو دعاهم إلى بيته، فعليه أن يكون حاضرًا معهم بكامل اهتمامه؛ يستمع، ويتحدث، ويشارك، ويمنحهم شعورًا بأن وجودهم له قيمة. أما إذا كان الجوال سيأخذ كل الانتباه، فالأفضل أن يمكث الإنسان في بيته؛ لأن الزيارة لا تعني الجلوس في المكان فقط، بل تعني أن تكون حاضرًا بقلبك وذهنك.

الزيارات في زمن السرعة والانشغال أصبحت فرصة نادرة لاستعادة الدفء الإنساني. لذلك علينا أن نحافظ على قيمتها، وأن ندرك أن بعض التصرفات الصغيرة قد تترك أثرًا كبيرًا في نفوس الآخرين. فكما أن الكلمة الطيبة ترفع قدر صاحبها، فإن الانتباه والإنصات يمنحان المجلس احترامه.

فالزيارة أدب حضور، لا مجرد وجود. ومن يقدّر الناس لا يتركهم ينتظرون عودته من شاشة صغيرة، بينما هم أمامه بكل ودهم ووقتهم واهتمامهم.

كاتبة رأي 

 

 

رؤى مصطفي

كاتبة رأي ومستشارة إعلامية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.