كُتاب الرأي

المعاشرة بالمعروف

المعاشرة بالمعروف

بقلم أ. وفاء باعشن

عندما نقارن بين علاقة الأزواج والعلاقات الاجتماعية الأخرى، نرى هناك فرق عظيم وشاسع في ديناميكية المعاشرة. وذلك من خلال التواصل النفسي، الروحي، العاطفي، أو التواصل المادي الاجتماعي.
يُقال لنا من خلال الكتب السماوية أن العلاقة بين الذكر والأنثى هي علاقة مقدسة ومباركة. وقد ذكر لنا الله تعالى في كتابه الكريم آيات عن العلاقة بين الأزواج : {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}، وقد ذُكر في كتابه الشريف أيضاً قوله تعالى، {وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ} وفي اية كريمة أخرى تم ذكر سبب اختلاف الذكر والأنثى،
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}
فالعقد الذي يُكتب بين الذكر والأنثى وأمرنا الله تعالى به هو عقد قران مقدس ونوع من أنواع العبادة في ديننا الإسلامي، وهو عقد غليظ يشهد عليه كل من في السماوات والأرض من مخلوقات ظاهرة لنا بالعين المجردة ومخلوقات غير مرئية من خلق الله عز وجل. ولله في خلقه شؤون، فهذا عقد قد سُمي بالعقد الغليظ في كتابه القرآن الكريم. قال عز وجل في آياته الكريمة: {وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا}، والذي يتعهد به الأزواج من ذكر وأنثى أمام ملائكة الرحمن الكرام أن يقوما بكتابة أوراق صفحات كتابهما “عقد القران” تحت سقف واحد يجمعهم في السراء والضراء، وفي الأحزان والأفراح، وفي الضيق والانشراح. وذلك لبناء أسرة مسلمة تتبع التعاليم الدينية، وتقوم بإحياء القيم والمبادئ الإسلامية التي تم ذكره لنا في القرآن الكريم ومن خلال الأحاديث النبوية الخاصة بموضوع كيفية المعاشرة بالمعروف في الزواج ووجود الأوامر والنواهي المعروفة. وهذا فقط لاستمرار ذرية بني آدم على منهج أوامر ونواهي آيات القرآن الكريم وأحاديث نبينا الكريم.
هنا نقف لحظات لنتأمل الفرق في كيفية سلوك وتصرفات الأزواج في حياتهما اليومية وبين تصرفاتهما الفردية ومعاملاتهما أمام العلاقات الاجتماعية الأخرى، من علاقات عمل، أو زمالة، أو صداقة، أو أقارب.

نلاحظ أن الشخص المتزوج عندما يكون بمفرده ويتواجد في أماكن لوحده يختلف تعامله عندما يكون مع زوجه. نرى ذلك الشخص الفردي يستطيع تمالك أعصابه والتحكم في تصرفاته أمام تلك العلاقات الدنيوية البحتة. ربما لأنه يعلم أنها علاقات سطحية أو أنها معاملات وقتية تنتهي بمدة زمنية معينة. وهذه اللقاءات الاجتماعية الفردية غالباً ما تكون لقاءات قصيرة المدى ومغلّفة بهرمونات السعادة عند الاجتماع. قد يكون سبب ذلك لمعرفة الشخص الفردي أنها علاقة قصيرة وعليه أن يظهر في أبهى حلة ويعامل من أمامه بأفضل الخُلق حتى تستمر تلك العلاقة، ويتم تخليد ذكرى حسنة، وتتكرر تلك الزيارات واللقاءات الاجتماعية.

أما العلاقة بين الأزواج من ذكر وأنثى فهي مختلفة تماماً قلباً وقالباً. فهي علاقة روحية وروحانية طويلة المدى يحكمها عقد شراكة بين أسرتين وثقافتين وليس فقط بين الزوجين من ذكر وأنثى. علاقة الذكر والأنثى تحت ميثاق عقد القران هي علاقة مستديمة لأجل غير معروف وقد يظهر الشخص أجمل وأسوء ما فيه أمام زوجه، إن كان من خلال التصرفات أو الأقوال. وتتغير نفسية الشخص المتزوج على حسب تغير هرموناته الخاصة في يومياته. فقد لا يتمالك أعصابه ويتفوه بأقوال سلبية جارحة. أو أن ذلك الشخص قد لا يستطيع التحكم بتصرفاته، ويتحول من شخص لبق إلى شخص سيء الخُلق في لحظة ضعف.
وهناك كتاب شهير بعنوان “الرجال من كوكب المريخ والنساء من كوكب الزهرة” للمؤلف جون جراي. وهذا الكتاب يستهدف تطوير الذات والعلاقة بين الأزواج لبناء أسرة صحية وعيش النعيم في الحياة الزوجية.

ولهذا نحث جميع المتزوجين، إن كانوا حديثي الزواج أم لهما عقود من الزمن في العشرة الزوجية أم مقبلين على الدخول في القفص الذهبي، أن يتصفوا بالصبر مع الشريك في منزل الزوجية ويتعاهدا بالرحمة والمودة وعدم الانفعال والقيام بردود أفعال مصيرية قد يندم عليه أحد الأطراف لاحقاً بسبب لحظة ثورة غضب مؤقتة ويقوما بالحكم على الآخر بالسلبية.

وهناك اقتراح آخر جيد قد يفيد الطرفين في حياتهما الزوجية، وهو القيام بإعطاء مساحة خاصة في المنزل للتواجد الفردي في علاقاتهما اليومية. وذلك لتفريغ المشاعر السلبية والتفكير بأهداف وأحلام حياتهما وذواتهما الخاصة التي تتوق للإنجاز الفردي قبل الإنجاز المشترك. هنا وُجب المعاشرة بالمعروف كما أمرنا خالقنا ونبينا الأمين.

فعندما يكون الشخص ناجحاً وسعيداً بحياته الفردية، فهذا سيجعله ناجحاً وسعيداً في حياته الزوجية. والشخص لا يتزوج ليصبح سعيد أو ناجح اجتماعياً، بل ليصبح أفضل نسخة من نسخته القديمة ويقترب من خالقه الذي أمر بني آدم بالعيش كخليفة على الأرض ويهنئ بأخذ كل حقوقه في هذه الدنيا.

دمتم رحماء مع أزواجكم ومتحلين بالعشرة الحسنة وخلفاء على هذه الأرض بكل صحة وسعادة.

كاتبة رأي

وفاء ابراهيم باعشن

أديبة وكاتبة رأي و روائية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.