في ظلال المسرح

البذخ في المسرح

البذخ في المسرح

شهد القطاع المسرحي في الوطن العربي بشكل عام وفي الخليج بشكل خاص خلال السنوات الأخيرة حراكًا متناميًا في مجالات التدريب والتأهيل، وذلك أمر جيد، حتى أصبحت الورش والدورات والبرامج المتخصصة تتوالى بصورة لافتة؛ تدريب في التمثيل، وبرامج في الإخراج، وورش في الكتابة المسرحية، وتأهيل في السينوغرافيا، وإعداد للفرق المسرحية والمواهب الشابة، وهذا الحراك في ظاهره مؤشر صحي يعكس اهتمامًا متزايدًا بالفنون الأدائية، غير أن سؤالًا جوهريًا يفرض نفسه بإلحاح: أين يذهب كل هذا الجهد؟ وأين تظهر نتائجه؟
أين العروض؟!
إن لدينا اليوم ممثلون، ولدينا مخرجون، ولدينا فرق مسرحية، ولدينا برامج تدريبية متخصصة ومتعددة، لكن السؤال الدائم الذي لا يزال حاضرًا: أين المنتج المسرحي؟ وأين المسرح بوصفه فعلًا ثقافيًا حيًا يتصل بالجمهور والمجتمع؟
إن الإشكالية لا تكمن في وجود التدريب، فالتدريب ضرورة لا غنى عنها، ولا يمكن بناء مسرح فاعل دون تأهيل حقيقي للمواهب والكوادر؛ لكن المشكلة تبدأ حين يتحول التدريب إلى غاية بذاته، وحين تصبح الدورات مشروعًا دائمًا لا ينتهي، وكأننا نعدّ المسرحيين للتدريب المستمر لا للممارسة الحقيقة والإنتاج والأثر المادي والمعنوي والقيمي .
فالمسرح في جوهره ليس شهادة تُعلَّق، ولا ورشة تُختتم، ولا صورة جماعية تُلتقط في نهاية البرنامج؛ بل هو عرض يُنتج، ونص يُقدَّم، وجمهور يحضر، وتجربة ثقافية تترك أثرًا في الوعي.
ومن هنا يظهر نوع من “البذخ التدريبي” الذي يستهلك الجهد والميزانيات والطاقات، بينما يبقى جانب التفعيل والإنتاج أقل حضورًا. فالممثل يحتاج خشبة يقف عليها، والمخرج يحتاج مشروعًا ينفذه، والكاتب يحتاج نصًا يُنتج، والفرقة تحتاج مسرحًا يحتضن أعمالها؛ أما إذا ظل الجميع داخل دائرة التدريب فقط، فإننا نعيد إنتاج البدايات دون الوصول إلى النهايات.
والسؤال هنا لا يتجه إلى المسرحيين وحدهم، بل إلى السياسات الثقافية نفسها: ماذا نريد من المسرح؟ هل نريد كوادر مدرَّبة فحسب، أم نريد حركة مسرحية مستدامة؟
وهنا يبرز دور وزارة الثقافة بوصفها جهة تقود المشهد الثقافي وتبني مستقبله
ماهو مطلوب اليوم ليس فقط زيادة البرامج التدريبية، بل بناء منظومة متكاملة تنتقل من التدريب إلى التفعيل والإنتاج. ومن أبرز ما يمكن العمل عليه:
أولًا: تحويل مخرجات البرامج التدريبية إلى مشاريع إنتاجية فعلية، بحيث يرتبط كل برنامج بمشروع مسرحي نهائي يقدم للجمهور.
ثانيًا: دعم الفرق المسرحية المستمرة، لا بوصفها فرقًا موسمية تظهر وقت المسابقات ثم تختفي، بل مؤسسات ثقافية صغيرة لها برامجها وإنتاجها.
ثالثًا: إنشاء مسارح مجتمعية ومساحات عرض دائمة في المدن والمحافظات، لأن المواهب لا تزدهر في الفراغ.
رابعًا: دعم المنتج المسرحي وتمويل المشاريع المسرحية النوعية، بحيث يجد المسرحي فرصة حقيقية لتحويل فكرته إلى عمل قائم.
خامسًا: بناء جمهور للمسرح؛ لأن المسرح لا يعيش بالممثلين وحدهم، بل يعيش أيضًا بالمتلقين.
إن المسرح الحقيقي يبدأ بعد انتهاء الدورة التدريبية لا قبلها. فحين يتحول التدريب إلى حركة إنتاج، تتحول المواهب إلى منجز، وتتحول الطاقات إلى أثر ثقافي، أما إذا بقينا ندور في دائرة التدريب دون مسرح حي، فقد نمتلك أعدادًا كبيرة من المسرحيين، لكننا سنظل نسأل السؤال ذاته: أين المسرح؟
المسرح لا يحتاج إلى مزيد من البذخ في الإعداد بقدر ما يحتاج إلى حكمة في التفعيل، وإلى رؤية تجعل التدريب بداية الطريق لا نهايته.

د. عبدالرحمن الوعلان

 

 

الدكتور عبدالرحمن الوعلان

كاتب رأي ومسرح ومعد برامج ومشرف في ظلال المشهد المسرحي وخبر عاجل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.