مكة والمدينة… مدينتان صنعتا تاريخ أمة

مكة والمدينة… مدينتان صنعتا تاريخ أمة
بقلم: د. بكري عساس
ليس في تاريخ الإنسانية مدينتان ارتبط اسماهما كما ارتبطت مكة المكرمة والمدينة المنورة. فالعلاقة بينهما لم تصنعها الجغرافيا، وإنما صنعها الوحي، وشدّ أواصرها الإيمان، وحفظتها السيرة النبوية في أنقى صفحاتها. إنهما مدينتان تفصل بينهما مسافة من الأرض، لكنهما تلتقيان في ذاكرة الأمة حتى تبدوان كأنهما مدينة واحدة، بدأت في مكة، واكتمل بناؤها في المدينة.
في مكة المكرمة أشرق فجر الرسالة، وعلى أرضها نزل الوحي لأول مرة، ومنها صدع النبي صلى الله عليه وسلم بكلمة التوحيد، فواجه من قومه ما يواجهه كل صاحب رسالة. وعلى جبالها وسهولها تشكلت البدايات الأولى للإسلام، حتى جاء الإذن الإلهي بالهجرة، ليبدأ فصل جديد من أعظم قصة عرفها التاريخ.
ولم تكن الهجرة النبوية رحلة انتقال من مدينة إلى أخرى، وإنما كانت انتقالًا من مرحلة الاستضعاف إلى مرحلة التمكين. وفي طريق الهجرة تتجلى روعة السيرة؛ تخطيط محكم، وأخذ بالأسباب، وثقة بوعد الله. فمن غار ثور إلى قباء، ثم إلى المدينة المنورة، كان كل موضع على الطريق شاهدًا على أن الإيمان لا يعارض الحكمة، وأن التوكل لا ينافي العمل.
وهناك فتحت القلوب أبوابها قبل البيوت، واستقبل الأنصار إخوانهم المهاجرين بإيثار سيظل مضرب المثل في التاريخ. وفي رحاب المسجد النبوي وُضعت اللبنات الأولى للدولة الإسلامية، ومنها انطلقت رسالة الإسلام تحمل قيم العدل والرحمة والعلم إلى العالم.
ولم تغب مكة عن قلب النبي صلى الله عليه وسلم وهو في المدينة؛ فقال: «والله إنكِ لأحب أرض الله إليّ، ولولا أن قومك أخرجوني منك ما خرجت». ثم دعا للمدينة: «اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد». وكأن قلبه الشريف علّم الأمة أن حب المدينتين وفاء لمرحلتين متكاملتين من تاريخ الرسالة.
ولهذا لا يشعر المسلم أن رحلته الإيمانية تكتمل إلا إذا جمع بين المسجد الحرام والمسجد النبوي؛ فهناك يبدأ الطواف حول الكعبة المشرفة، وهنا يقف في رحاب مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتختلط مشاعر العبادة بعبق السيرة.
وقد شرّف الله المملكة العربية السعودية بخدمة الحرمين الشريفين، فشهدت مكة والمدينة أكبر مشروعات التوسعة والتطوير في تاريخهما، مع منظومة متكاملة من الخدمات والتنظيم والتقنيات الحديثة، لتظل رحلة الحج والعمرة والزيارة أكثر يسرًا وأمنًا.
ستظل مكة والمدينة وجهين لحقيقة واحدة؛ فإذا كانت مكة قد أنجبت الرسالة، فإن المدينة احتضنتها حتى اشتد ساعدها. وبين المدينتين يمتد طريق لا تُقاس مسافته بالكيلومترات، بل بما تركه في وجدان المسلمين من يقين ومحبة وحنين. وسيبقى شاهدًا على أن أعظم الأمم تبدأ بفكرة صادقة، وأن أطهر الأماكن هي تلك التي لا تغادر القلب مهما ابتعدت عنها الأقدام.
كاتب رأي

