كُتاب الرأي
بين حملة الشهادات العليا وقادة تحويل المعرفة إلى أثر

بين حملة الشهادات العليا وقادة تحويل المعرفة إلى أثر
عصام يحيى الفيلالي
عضو هيئة تدريس سابق – جامعة الملك عبدالعزيز
يرى جنسن هوانغ، الرئيس التنفيذي لشركة إنفيديا، أن الذكاء في عصر الذكاء الاصطناعي لا يختزل في القدرة على حل المسائل التقنية، بل يظهر عند تقاطع الفهم التقني مع التعاطف الإنساني والقدرة على استنتاج غير المنطوق ورؤية ما حول الزوايا.
ويذهب إلى أن صاحب هذا النوع من الذكاء قد يحقق درجة سيئة جداً في اختبار مثل SAT.
تستحق هذه الفكرة أن تُقرأ خارج سياقها التقني الضيق. فهي لا تتحدث عن عبقرية فردية فحسب، بل تضع سؤالاً عميقاً أمام الجامعات ومؤسسات التعليم العالي:
هل تقيس أدوات القبول لدينا ما نحتاج إليه فعلاً في قادة المستقبل،
أم أنها لا تزال تكافئ فقط من يتقنون لغة الاختبارات؟
لقد صُممت كثير من معايير القبول الجامعي لتقليل المخاطر وتحقيق قدر من العدالة الإجرائية. فالدرجات، والمعدلات، والاختبارات الموحدة تبدو أدوات واضحة وسهلة المقارنة. غير أن وضوحها لا يعني اكتمالها. فالجامعة، خصوصاً في برامج الدراسات العليا والبرامج التنفيذية، لا ينبغي أن تسأل فقط: من حصل على أعلى درجة؟ بل عليها أن تسأل أيضاً: من يملك القدرة على فهم الناس، وقراءة السياق، واستباق المشكلات، وتحويل المعرفة إلى أثر؟
حدود المعايير التقليدية
لا يمكن إنكار أن السجل الأكاديمي والاختبارات الموحدة يقدمان مؤشرات نافعة على بعض جوانب الاستعداد الدراسي. فقد وجدت دراسات تحليلية أن اختبار GRE والمعدل الجامعي السابق يمكن أن يرتبطا ببعض مخرجات الدراسات العليا، مثل المعدل الأكاديمي في البرنامج أو بعض تقييمات الأداء الأكاديمي.
لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول هذه المؤشرات من أدوات مساعدة إلى بوابات حاكمة، وكأنها قادرة وحدها على التنبؤ بالقيادة، والنضج، والحكمة العملية، والقدرة على التأثير في الناس.
وتؤكد دراسات أحدث أن صلاحية هذه الاختبارات محدودة ومتفاوتة بحسب المجال والمخرج المقاس.
فقد خلص تحليل منشور في Journal of Higher Education إلى أن كثيراً من الآثار المنشورة لا تظهر قيمة تنبؤية دالة لاختبار GRE، وأن متوسط التباين الذي يفسره الاختبار عبر المخرجات المقاسة كان صغيراً.
كما وجدت دراسة في برامج الدكتوراه الطبية الحيوية بجامعة فاندربلت أن GRE لم يكن مفيداً في التنبؤ بمؤشرات مهمة مثل
- التخرج،
- واجتياز الاختبار التأهيلي،
- ووقت إتمام الرسالة،
- والإنتاجية البحثية،
- والحصول على المنح، وإن كان أكثر ارتباطاً ببعض الدرجات الدراسية.
هذا لا يعني إلغاء الدرجات من المعادلة، ولا يعني أيضاً أن كل اختبار موحد عديم الفائدة. المعنى الأدق أن هذه الأدوات تقيس جانباً من القدرة، لكنها لا تقيس الإنسان كله. فهي تميل إلى مكافأة الانضباط المعرفي، وسرعة الأداء، والتمرّس على نمط السؤال، لكنها لا تكشف بالضرورة عن قدرة الطالب على قيادة فريق في أزمة، أو قراءة نبض مجتمع، أو بناء الثقة، أو اتخاذ قرار أخلاقي تحت ضغط.
ومن هنا تظهر الفجوة بين ما تقيسه الأدوات التقليدية غالباً، وما تحتاجه القيادة المؤثرة فعلاً.
فالاختبارات تقيس الاستيعاب الأكاديمي وسرعة الإجابة، بينما تحتاج القيادة إلى فهم البشر ودوافعهم ومخاوفهم. وهي تقيس الذاكرة والتحليل ضمن سؤال محدد، بينما تتطلب القيادة حكماً رشيداً في مواقف غامضة. وهي تكافئ التفوق الفردي في بيئة منظمة، بينما تقوم القيادة الحقيقية على التأثير الجماعي في بيئات مضطربة.
الذكاء القيادي بوصفه قدرة مركبة
ما يطرحه هوانغ، عند تأمله بعمق، ليس نفياً للمعرفة التقنية، بل رفض لاختزال الذكاء فيها.
فالعالم الذي تتولى فيه الآلات جزءاً متزايداً من التحليل والحساب والبرمجة يحتاج إلى بشر يجيدون ما لا تستطيع الآلات محاكاته بسهولة:
- التعاطف،
- والحكم،
- وقراءة الإشارات الضعيفة،
- وفهم المعنى غير المعلن في الكلام والسلوك.
ومن هنا يمكن الحديث عن الذكاء القيادي بوصفه قدرة مركبة تقوم على أربعة أبعاد مترابطة.
البعد الأول :
هو فهم الناس، أي القدرة على قراءة المشاعر والدوافع والحاجات غير المعلنة. فالقائد الذي لا يفهم الناس قد يملك رؤية عظيمة، لكنه سيعجز عن تحويلها إلى حركة جماعية.
ويمكن للجامعات أن تقيس هذا البعد عبر مقابلات منظمة، ومواقف افتراضية، وتوصيات نوعية من أشخاص عملوا مع المتقدم لا من أشخاص يمدحونه فقط.
أما البعد الثاني :
فهو قراءة ما بين السطور. فالمؤسسات والمجتمعات لا تتحرك وفق ما يُكتب في اللوائح وحدها، بل وفق ثقافات غير مرئية، وتوازنات دقيقة، ومصالح معلنة وأخرى صامتة. القائد المؤثر لا يرى النص فقط، بل يرى السياق الذي أنتجه. ويمكن اختبار هذا البعد من خلال حالات دراسية مفتوحة لا تملك إجابة واحدة، يُطلب فيها من المتقدم أن يحدد الافتراضات الخفية، والمخاطر الأخلاقية، وأصحاب المصلحة الغائبين عن المشهد.
والبعد الثالث :
هو استشعار المشكلات قبل وقوعها. فالقائد التقليدي ينتظر الأزمة ثم يديرها، أما القائد البصير فيلتقط بوادرها الأولى. لا يعني ذلك امتلاك قدرة غيبية، بل امتلاك حس تركيبي يجمع بين الخبرة، والبيانات، والانتباه إلى الإشارات الصغيرة. ويمكن تقييم هذا البعد عبر سيناريوهات مستقبلية يطلب فيها من المتقدم أن يشرح ما الذي قد يحدث، ولماذا، وما المؤشرات التي ينبغي مراقبتها.
أما البعد الرابع :
فهو الجمع بين التحليل والحكمة. فالبيانات بلا حكمة قد تنتج قرارات قاسية، والحكمة بلا بيانات قد تتحول إلى انطباعات غير مختبرة. القائد الناضج هو من يعرف متى يستمع إلى الأرقام، ومتى يسأل عن أثر القرار في الإنسان، ومتى يعترف بأن النموذج لا يرى كل شيء. ويمكن قياس هذا البعد بسؤال المتقدم عن قرار خاطئ اتخذه، لا بوصفه اعترافاً شكلياً، بل بوصفه نافذة على طريقة التعلم، وتحمل المسؤولية، وتعديل الحكم.
نحو ملف جديد للقبول: ملف البصيرة القيادية
إذا كانت الجامعات جادة في تخريج قيادات مجتمعية ومؤسسية قادرة على التعامل مع التعقيد، فعليها أن تعيد توزيع الوزن النسبي لمعايير القبول. ولا المقصود هنا أن نفتح الباب للانطباعية أو المحاباة، بل أن نبني نظاماً أكثر دقة وإنصافاً، يجمع بين الصرامة الأكاديمية والتقييم العميق للقدرات الإنسانية والقيادية.
يمكن أن يبدأ ذلك بتبني ما يمكن تسميته ملف البصيرة القيادية في برامج الماجستير والدكتوراه والبرامج التنفيذية، خصوصاً في كليات الإدارة، والسياسة العامة، والتربية، والصحة، والتنمية.
يقوم هذا الملف على مقابلات منظمة، وحالات دراسية، واختبارات حكم موقفي، وتأملات مكتوبة، وشواهد موثقة على الخبرة العملية أو التطوعية. وفي هذا النموذج لا تلغى الدرجات، لكنها تعود إلى حجمها الطبيعي: مؤشر مهم، لا حكم نهائي على الإمكانات.
وفي تصور عملي أولي، يمكن أن يبقى السجل الأكاديمي مؤشراً أساسياً على الجدية والاستعداد العلمي، لكن بوزن لا يطغى على بقية العناصر.
ويمكن أن يستخدم اختبار القبول الموحد، إن وُجد، كأداة مساعدة لا كقاطع مصيري.
أما الوزن الأكبر فينبغي أن يذهب إلى ملف البصيرة القيادية، لأنه يقيس ما لا تكشفه الدرجات وحدها مثل :
- فهم الناس،
- وقراءة السياق،
- واستباق المشكلات،
- والتفكير التكاملي.
- كما ينبغي أن تمنح الخبرة العملية أو التطوعية وزناً معقولاً، لا باعتبارها قائمة من المناصب والمسميات، بل باعتبارها شاهداً على ما تعلمه المتقدم من الواقع، وكيف تعامل مع الناس والمشكلات والمسؤوليات.
وفق هذا التصور، قد يُقبل طالب معدله جيد جداً لأنه قاد مبادرة مجتمعية ناجحة، وفهم مقاومة الناس للتغيير، وتعلم من فشل حقيقي، وأظهر قدرة على تحليل موقف إنساني معقد.
وفي المقابل، قد يُؤجَّل طالب يحمل سجلاً أكاديمياً لامعاً إذا عجز عن التعامل مع نقد بسيط، أو لم يستطع شرح أثر قرار إداري في الفئات الأضعف، أو أظهر تفوقاً فردياً لا يرافقه نضج اجتماعي.
هذا التحول ليس خيالاً نظرياً. فقد بدأت بعض الأنظمة والجامعات بالفعل توسيع أدوات القبول لتتجاوز الاعتماد الضيق على الدرجات.
في سنغافورة، أعلنت وزارة التعليم توسيع القبول القائم على الكفاءة والقدرات في عدد من الجامعات، بحيث تؤخذ الجوانب الأكاديمية وغير الأكاديمية معاً بصورة أكثر شمولاً.
وتوضح جامعة نانيانغ التقنية أن القبول القائم على الكفاءة ينظر إلى اهتمامات المتقدم وقوته وإنجازاته، وقد يتضمن مقابلة ووثائق داعمة.
وفي فنلندا، تجمع منظومة القبول بين الاختيار بالشهادات والاختبارات، مع استمرار اختبارات الاستعداد في بعض المجالات مثل إعداد المعلمين.
لماذا هذا ضروري الآن؟
لأن المجتمعات لا تعاني نقصاً في حملة الشهادات بقدر ما تعاني نقصاً في القادة القادرين على تحويل المعرفة إلى أثر. نحن نحتاج في التعليم إلى من يفهم قلق المعلم وولي الأمر قبل أن يتحول إلى أزمة عامة.
ونحتاج في الصحة إلى من يقرأ الإشارات الضعيفة قبل أن تصبح طوابير في أقسام الطوارئ.
ونحتاج في الأعمال إلى من لا يختزل الإنسان في بند تكلفة، ولا يختزل القرار في نموذج حسابي، بل يجمع بين التحليل والمسؤولية الأخلاقية.
إن استمرار الجامعات في الاعتماد المفرط على المؤشرات السهلة سيجعلها بارعة في اختيار من يجيدون عبور البوابة، لا من يستطيعون قيادة العالم بعد عبورها. أما التحول إلى تقييم أعمق للقدرات القيادية فسيجعل القبول أكثر قرباً من رسالته الأصلية: اكتشاف الإمكانات لا فرز الدرجات فقط.
حان وقت إعادة تعريف الاستحقاق
السؤال الجوهري ليس: هل نلغي الاختبارات؟
بل: هل نملك الشجاعة لوضعها في مكانها الصحيح؟
الاختبار قد يخبرنا شيئاً عن المتقدم،
لكنه لا يخبرنا كل شيء. والمعدل قد يكشف انضباطاً وقدرة على التحصيل،
لكنه لا يكشف بالضرورة عن البصيرة، أو التعاطف، أو الحكمة في القرار.
إذا أردنا جامعات تخرج قادة لا مجرد ناجحين في الامتحانات، فعلينا أن نغير طريقة اختيار الطلاب قبل أن نطالب بتغيير المناهج. فالقيادة لا تبدأ في قاعة المحاضرات، بل تبدأ في لحظة القبول؛ حين تقرر المؤسسة أي نوع من الذكاء يستحق أن تمنحه الفرصة.
عندئذ نكون قد تخلينا عن وهم أن الدرجة وحدها تكشف العبقرية، وتجرأنا على السؤال الأصعب وهو :
في خضم المجتمع وتحدياته ومتطلباته
هل يرى هذا الإنسان ما لا يراه الآخرون؟
وهل يستطيع أن يحول ما يراه إلى أثر نافع؟
لا في ورقة الامتحان وحدها ؟
عندئذ يبدأ جوهر الذكاء القيادي.