كُتاب الرأي

أزمة الديون العالمية

أزمة الديون العالمية

هل يقترب موعد انفجار الفقاعة؟

 

عصام يحيى الفيلالي

عضو هيئة تدريس سابق – جامعة الملك عبدالعزيز

 
في مشهد اقتصادي عالمي تهيمن عليه التوترات الجيوسياسية وتزايد الإنفاق الحكومي وتصاعد كلفة التسليح، باتت أرقام الديون العالمية تثير قلقاً متصاعداً لدى صنّاع السياسات والمستثمرين والمؤسسات الدولية على حد سواء. فما كانت مجرد تحذيرات أكاديمية قبل عقد من الزمن، تحولت اليوم إلى واقع رقمي يهدد استقرار النظام المالي العالمي برمته. ولم يعد السؤال المطروح في أروقة البنوك المركزية ومراكز الأبحاث هو ما إذا كانت الأزمة ستقع، بل متى ستقع، وما حجم الضرر الذي ستخلفه حين تنفجر هذه الفقاعة الائتمانية التي لم يشهد لها التاريخ الاقتصادي مثيلاً.
 
تشير أحدث التقديرات الصادرة عن معهد التمويل الدولي (IIF) في تقريره “راصد الديون العالمية” الصادر في مايو 2026، إلى أن إجمالي الديون العالمية — بما يشمل ديون الحكومات والشركات والأسر والمؤسسات المالية مجتمعة — قد بلغ رقماً قياسياً يقارب 353 تريليون دولار بحلول نهاية الربع الأول من عام 2026. ولوضع هذا الرقم في سياقه، فإنه يعني أن كل إنسان على وجه الأرض يتحمل نظرياً ما يزيد عن 43 ألف دولار من الديون، بما في ذلك الرضّع وكبار السن في أفقر بلدان العالم.
والأكثر إثارة للقلق هو سرعة التراكم. فقد أضاف العالم أكثر من 26 تريليون دولار إلى مخزون ديونه في الأرباع الثلاثة الأولى من عام 2025 وحده، بمعدل يقارب 675 مليار دولار أسبوعياً. وهذا يعني أنه في الوقت الذي يستغرقه القارئ لإنهاء هذه المقالة، يكون العالم قد أضاف مئات الملايين من الدولارات إلى جبل ديونه المتعاظم.
وعلى صعيد الدين العام تحديداً — أي ديون الحكومات وحدها دون القطاع الخاص — فإن الصورة ليست أقل قتامة. فوفقاً لتقرير “الراصد المالي” الصادر عن صندوق النقد الدولي في أبريل 2026 تحت عنوان “السياسة المالية تحت الضغط: ديون مرتفعة ومخاطر متصاعدة”، من المتوقع أن يتجاوز الدين العام العالمي حاجز المائة تريليون دولار خلال العام الجاري، أي ما يعادل نحو 93% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي — وهو المقياس الذي يُعبّر عن القيمة الإجمالية لكل ما تنتجه اقتصادات العالم من سلع وخدمات في عام واحد، والذي يُقدَّر بنحو 123.6 تريليون دولار في 2026.
ويتوقع صندوق النقد الدولي أن تواصل نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي ارتفاعها المطّرد لتبلغ 95.3% في عام 2026، ثم 97.2% في 2027، و98.8% في 2028، قبل أن تصل إلى العتبة الرمزية البالغة 100% بحلول عام 2029. وهذا المستوى لم يُسجَّل في التاريخ الاقتصادي الحديث إلا في أعقاب الحرب العالمية الثانية مباشرة، حين كانت دول بأكملها قد دُمّرت وأُعيد بناؤها من الصفر. والمقلق أن هذا الموعد المتوقع قد تقدّم بعام كامل عن التوقعات السابقة، مما يشير إلى أن وتيرة التدهور تتسارع بشكل يفوق ما كانت تتوقعه أكثر النماذج الاقتصادية تشاؤماً.
الجذر التاريخي: كيف أُطلق العنان لفقاعة الائتمان؟
لا يمكن فهم هذا التراكم الهائل للديون دون العودة إلى لحظة فاصلة في التاريخ الاقتصادي المعاصر. ففي مساء الخامس عشر من أغسطس 1971، أطلّ الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون على الأمة عبر شاشات التلفزيون ليعلن قراراً غيّر مسار الاقتصاد العالمي إلى الأبد: تعليق قابلية تحويل الدولار إلى ذهب. عُرف هذا القرار لاحقاً بـ”صدمة نيكسون”، وبه انتهى نظام “بريتون وودز” الذي حكم النظام النقدي الدولي منذ عام 1944.
كان نظام بريتون وودز يفرض انضباطاً نقدياً صارماً على الحكومات، إذ كان الدولار مرتبطاً بالذهب بسعر ثابت قدره 35 دولاراً للأونصة، وكانت بقية العملات مرتبطة بالدولار. وهذا يعني عملياً أن أي حكومة ترغب في زيادة إنفاقها كانت مقيدة بكمية الذهب المتوفرة في خزائنها، مما شكّل “كابحاً طبيعياً” يمنع التوسع المفرط في الإنفاق والاقتراض.
بإلغاء هذا الربط، تحول النظام المالي العالمي بالكامل إلى ما يُعرف بنظام “النقد الإلزامي” أو “العملات الورقية” (Fiat Money)، وهي عملات لا تستند إلى أي أصل مادي كالذهب أو الفضة، وإنما تستمد قيمتها حصرياً من ثقة الناس في الحكومة المصدرة لها ومن قوة القانون الذي يفرض قبولها وسيلةً للتبادل. ولم تعد الحكومات مضطرة لخفض الإنفاق أو رفع الضرائب لتمويل عجزها المالي — أي الفرق بين ما تنفقه وما تجمعه من إيرادات — بل أصبح بإمكانها ببساطة إصدار المزيد من أدوات الدين وتوسيع المعروض النقدي دون قيد ذهبي يحدّها.
الأثر التاريخي لهذا التحول واضح بالأرقام:
فالدين الحكومي الأمريكي الذي كان يبلغ نحو 400 مليار دولار عام 1971 — أي أقل من 40% من الناتج المحلي الإجمالي — قفز إلى أكثر من 39 تريليون دولار اليوم، أي بزيادة تقارب مائة ضعف في خمسة عقود. وبما أن الدولار هو العملة الاحتياطية الأولى عالمياً — أي العملة التي تحتفظ بها البنوك المركزية حول العالم كركيزة لاحتياطياتها — فإن هذا القرار لم يُزل القيود عن أمريكا وحدها، بل عن النظام المالي العالمي بأسره، ممهداً الطريق لانفجار الائتمان غير المسبوق الذي نشهد ذروته اليوم.
غير أنه من الإنصاف العلمي الإشارة إلى أن العلاقة بين إلغاء معيار الذهب وأزمة الديون الراهنة ليست علاقة سببية مباشرة وحيدة. فثمة عوامل أخرى كثيرة أسهمت في هذا المسار، منها التطور الهائل في الأسواق المالية وابتكاراتها، والتحولات الديموغرافية التي رفعت كلفة أنظمة التقاعد والرعاية الصحية، وتوسع دور الدولة الاجتماعي في العقود الأخيرة. لكن يبقى أن إلغاء القيد الذهبي أزال الحاجز الأخير أمام التوسع الائتماني غير المحدود، وفتح الباب أمام ثقافة الاقتراض التي أصبحت سمة العصر.
جائحة كورونا: الشرارة التي أشعلت الحريق
إذا كان إلغاء معيار الذهب قد أزال القيود البنيوية عن التوسع في الاقتراض، فإن جائحة كوفيد-19 كانت الحدث الذي دفع الحكومات إلى استخدام هذه الأداة بشكل غير مسبوق في تاريخ السلم. فحين ضربت الجائحة العالم في مطلع عام 2020، وجدت الحكومات نفسها أمام خيارين أحلاهما مرّ: إما ترك اقتصاداتها تنهار تحت وطأة الإغلاق الشامل، أو ضخ تريليونات الدولارات لإبقاء الشركات والأفراد على قيد الحياة الاقتصادية.
اختارت معظم الحكومات الخيار الثاني، فأطلقت حزم تحفيز مالي ضخمة بلغت تريليونات الدولارات. وفي الولايات المتحدة وحدها، بلغ إجمالي حزم التحفيز المرتبطة بالجائحة نحو خمسة تريليونات دولار. وفعلت الاقتصادات الأوروبية والآسيوية الشيء نفسه بنسب متفاوتة. وما كان يُقدَّم للرأي العام باعتباره “إجراءً مؤقتاً وطارئاً” تحول تدريجياً إلى سياسة مالية توسعية دائمة، إذ اكتشفت الحكومات أن التراجع عن مستويات الإنفاق المرتفعة أمر بالغ الصعوبة سياسياً واجتماعياً. فالمواطنون الذين اعتادوا على الدعم الحكومي السخي لا يقبلون بسهولة العودة إلى ما قبل الجائحة، والسياسيون الذين يسعون لإعادة انتخابهم لا يجرؤون على تقليص الإنفاق الشعبي.
هكذا تحولت الجائحة من أزمة صحية مؤقتة إلى نقطة تحول هيكلية في المالية العامة العالمية، رفعت سقف التوقعات الشعبية من الحكومات، ورسّخت ثقافة الاقتراض كأداة أولى — وأحياناً وحيدة — لمواجهة أي أزمة.
الدين الأمريكي: قلب العاصفة
تشكل الولايات المتحدة بؤرة الأزمة الأكثر خطورة، ليس فقط بسبب حجم دينها المطلق، بل بسبب الدور المحوري الذي يلعبه الدولار وسندات الخزانة الأمريكية — وهي أدوات الدين التي تصدرها الحكومة الأمريكية للاقتراض من الأسواق — في النظام المالي العالمي. فبحسب بيانات وزارة الخزانة الأمريكية، بلغ إجمالي الدين الوطني 39.2 تريليون دولار بحلول مايو 2026، بزيادة قدرها 2.99 تريليون دولار خلال عام واحد فقط. ووفقاً لتقديرات اللجنة الاقتصادية المشتركة في مجلس الشيوخ الأمريكي، فإن الولايات المتحدة ستتجاوز حاجز الأربعين تريليون دولار بحلول سبتمبر 2026.
ويكشف تقرير مكتب الميزانية في الكونغرس (CBO) الصادر في يونيو 2026 أن العجز الفيدرالي — أي الفارق بين إنفاق الحكومة وإيراداتها — بلغ 1.2 تريليون دولار في الأشهر الثمانية الأولى من السنة المالية 2026 (أكتوبر 2025 – مايو 2026). وهذا يعني أن الحكومة الأمريكية تنفق ما يزيد عن إيراداتها بمعدل 150 مليار دولار شهرياً، في وقت لا تشهد فيه البلاد حرباً كبرى أو ركوداً اقتصادياً حاداً يبرر هذا المستوى الاستثنائي من الاقتراض.
ويحذر معهد التمويل الدولي من أن المسار طويل الأجل للدين العام الأمريكي “بدأ يبدو غير مستدام في ظل السياسات الحالية”. وقد بدأ هذا التحذير ينعكس فعلياً على سلوك المستثمرين الدوليين، الذين شرعوا في إعادة توزيع محافظهم الاستثمارية لتقليل الاعتماد على سندات الخزانة الأمريكية لصالح بدائل أخرى كالسندات اليابانية والأوروبية. وهذا التحول، إن تسارع، قد تكون له تداعيات عميقة على قدرة واشنطن على تمويل عجزها بتكلفة منخفضة مستقبلاً، وعلى مكانة الدولار ذاتها كعملة احتياطية عالمية.
 
على الجانب الآخر من المحيط الهادئ، تواجه الصين — ثاني أكبر اقتصاد في العالم — تحدياتها الخاصة مع الديون، وإن كانت تختلف في طبيعتها عن الحالة الأمريكية. فبينما يتركز الدين الأمريكي في القطاع الحكومي الفيدرالي، يتوزع الدين الصيني بين الحكومات المحلية والشركات المملوكة للدولة وقطاع العقارات المتعثر ومنصات التمويل الحكومية المحلية التي تراكمت عليها التزامات ضخمة خلال العقد الماضي.
وفي سعيها لدعم الطلب المحلي المتراجع ومواجهة الضغوط الانكماشية الناجمة عن أزمة قطاع العقارات وتباطؤ الصادرات، وسّعت بكين سياساتها المالية بشكل ملحوظ. ويقدّر صندوق النقد الدولي أن العجز المالي الصيني الإجمالي يتراوح بين 7% و8% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو مستوى مرتفع بالمعايير التاريخية للصين التي طالما تفاخرت بانضباطها المالي. بل إن بعض التقديرات المستقلة، كتلك الصادرة عن مجموعة “روديوم” البحثية، تشير إلى أن العجز الحقيقي قد يصل إلى 9.5% أو حتى 10% من الناتج المحلي إذا أُخذت في الحسبان جميع أشكال الاقتراض الحكومي المباشر وغير المباشر.
والخطر الأكبر في الحالة الصينية يكمن في غياب الشفافية الكاملة حول الحجم الحقيقي للديون، خاصة تلك المتعلقة بالحكومات المحلية ومنصات التمويل التابعة لها. وهذا الغموض يجعل تقييم المخاطر الفعلية أمراً بالغ الصعوبة حتى بالنسبة للمؤسسات الدولية المتخصصة، ويثير مخاوف من أن الأرقام الرسمية قد لا تعكس الصورة الكاملة لحجم المشكلة.
التوترات الجيوسياسية: وقود إضافي للأزمة
لا يمكن فصل أزمة الديون العالمية عن السياق الجيوسياسي المتوتر الذي يعيشه العالم. فالصراعات المسلحة في أوكرانيا والشرق الأوسط، والتنافس الاستراتيجي بين الولايات المتحدة والصين، والسباق نحو التسلح الذي عاد بقوة إلى المشهد الدولي — كل ذلك يدفع الحكومات إلى زيادة إنفاقها الدفاعي على حساب الانضباط المالي. وقد رفعت دول عديدة في أوروبا وآسيا ميزانياتها العسكرية بنسب كبيرة خلال العامين الأخيرين، مما أضاف أعباءً جديدة على خزائنها المثقلة أصلاً.
وتتجاوز تداعيات هذه التوترات البعد العسكري المباشر. فتعطيل سلاسل الإمداد العالمية يرفع تكاليف الإنتاج، وارتفاع أسعار الطاقة يزيد فاتورة الاستيراد للدول المستهلكة، والعقوبات الاقتصادية المتبادلة تُقلّص حجم التجارة العالمية وتُضعف النمو الاقتصادي. وكل هذه العوامل تضغط على الموازنات العامة وتدفع الحكومات إلى مزيد من الاقتراض لسد الفجوات المتزايدة بين الإيرادات والنفقات.
والأكثر خطورة أن هذه التوترات تضرب بشكل غير متناسب الاقتصادات الناشئة والنامية، التي تواجه بالفعل تكاليف اقتراض مرتفعة وتدفقات رأسمالية متقلبة وعملات محلية متراجعة، مما يضعها في موقف أكثر هشاشة أمام أي صدمة اقتصادية إضافية.
التداعيات: كلفة باهظة تدفعها الشعوب
تتجلى الخطورة الحقيقية لأزمة الديون ليس في الأرقام المجردة، بل في تأثيرها المباشر على حياة المواطنين وقدرة الحكومات على أداء وظائفها الأساسية. فكل دولار يُنفق على خدمة الدين — أي سداد الفوائد المستحقة للدائنين — هو دولار لا يُنفق على المدارس والمستشفيات والبنية التحتية والبحث العلمي.
وفي الولايات المتحدة، يتضح هذا الأثر بشكل صارخ. فقد بلغت مدفوعات الفائدة على الدين الوطني 742 مليار دولار خلال الأشهر الثمانية الأولى من السنة المالية 2026 (أكتوبر 2025 – مايو 2026)، بزيادة قدرها 10% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، وفقاً لمكتب الميزانية في الكونغرس. وتُعزى هذه الزيادة إلى تضخم حجم الدين وارتفاع أسعار الفائدة طويلة الأجل. ومن المتوقع أن تتجاوز مدفوعات الفائدة السنوية تريليون دولار للسنة المالية 2026 كاملة، وهو رقم يفوق ما تنفقه الولايات المتحدة على الدفاع الوطني بأكمله.
وتحذر مؤسسة المساءلة الحكومية الأمريكية (GAO) في تقريرها الصادر في يونيو 2026 من أن ما يُعرف بـ”الدين الذي يحتفظ به الجمهور” — وهو الجزء من الدين الحكومي الذي تملكه جهات خارج الحكومة كالمستثمرين والبنوك والحكومات الأجنبية، ويُعدّ المقياس الأدق للعبء الفعلي — قد بلغ 31.3 تريليون دولار في أبريل 2026، أي ما يعادل حجم الاقتصاد الأمريكي بأكمله. وهذه هي المرة الأولى منذ الحرب العالمية الثانية التي يبلغ فيها هذا الدين حجم الاقتصاد كاملاً. وتشير المؤسسة إلى أن هذا المسار، إن لم يُعالَج، سيؤدي إلى ارتفاع تكاليف الاقتراض للأفراد والشركات — مما يعني قروضاً عقارية أغلى وبطاقات ائتمان بفوائد أعلى — وركود الأجور، وارتفاع أسعار السلع والخدمات، وفي نهاية المطاف انخفاض مستوى المعيشة لجميع الأمريكيين والأجيال القادمة.
أما بالنسبة للدول النامية، فالوضع أشد قتامة بمراحل. فكثير من هذه الدول تجد نفسها محاصرة في حلقة مفرغة قاتلة: تقترض لسداد ديون سابقة، فيرتفع دينها الإجمالي، فترتفع تكلفة الاقتراض الجديد لأن المقرضين يطالبون بفوائد أعلى لتعويض المخاطر المتزايدة، فتضطر لتخصيص نسبة أكبر من إيراداتها لخدمة الدين بدلاً من الاستثمار في التنمية. وقد كشفت بيانات حديثة أن حصة الإيرادات التي تنفقها الدول النامية على مدفوعات الفائدة ارتفعت من 40% إلى أكثر من 45% خلال العامين الأخيرين فقط، مما يعني أن ما يقرب من نصف ما تجمعه هذه الحكومات من مواطنيها يذهب مباشرة إلى خدمة الدين، بدلاً من بناء المدارس وتوفير الرعاية الصحية وتطوير البنية التحتية.
الحلول المطروحة: خطوات أولى على طريق طويل
وسط هذا المشهد القاتم، بدأت تظهر مبادرات دولية تسعى لمعالجة الأزمة، وإن كانت لا تزال في مراحلها الأولى وتواجه تحديات جسيمة في التنفيذ.
ولعل أبرز هذه المبادرات هي “منصة المقترضين” (Borrowers’ Platform) التي أُطلقت في الخامس عشر من أبريل 2026، على هامش اجتماعات الربيع لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي في واشنطن. وقد جاء إطلاق هذه المنصة بمبادرة من مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (أونكتاد)، بمشاركة أكثر من ثلاثين دولة نامية. وتهدف المنصة إلى توحيد صوت الدول المدينة في مفاوضات إعادة هيكلة الديون — أي إعادة التفاوض على شروط السداد كتمديد الآجال أو خفض الفوائد أو إلغاء جزء من أصل الدين — بعد عقود من المفاوضات غير المتكافئة التي كان يهيمن عليها الدائنون. وقد وُصفت هذه المبادرة بأنها “اختراق في التمويل العالمي”، إذ تمنح الدول المدينة لأول مرة منبراً مؤسسياً للتنسيق فيما بينها وتبادل الخبرات في التعامل مع أعباء الديون.
وعلى صعيد الدول الغنية، تعهد قادة مجموعة السبع (G7) في قمتهم المنعقدة في إيفيان بفرنسا في يونيو 2026 “بتعزيز الجهود لمعالجة تصاعد مواطن الضعف في الديون العالمية”. ودعا البيان الختامي إلى تسريع عمليات تخفيف الديون وجعلها أكثر كفاءة وشمولية، مع التأكيد على ضرورة إيجاد مقاربة مشتركة لمعالجة مشكلات ديون الدول متوسطة الدخل التي لا تستطيع حالياً الوصول إلى آليات الإعفاء المتاحة لأفقر الدول.
كذلك تعمل “مائدة الحوار العالمي للديون السيادية” (GSDR) على تحسين عمليات إعادة هيكلة الديون وتقليص الجداول الزمنية الطويلة التي كانت تستغرقها هذه العمليات تاريخياً، والتي كانت تمتد أحياناً لسنوات تعاني خلالها الشعوب من التقشف القاسي دون أفق واضح. وقد أقرّت الجمعية العامة للأمم المتحدة مبادئ توجيهية لإعادة هيكلة الديون السيادية، تتضمن تسعة مبادئ أساسية تشمل العدالة في توزيع الأعباء بين الدائنين والمدينين، والشفافية في المفاوضات، وحماية الحد الأدنى من الإنفاق الاجتماعي أثناء عمليات إعادة الهيكلة.
أما صندوق النقد الدولي، فيدعو باستمرار إلى ما يسميه “تعديلاً مالياً ذا مصداقية ومنسقاً بشكل جيد” — أي سياسات منضبطة لتقليص العجز المالي تدريجياً عبر ضبط الإنفاق وتحسين الإيرادات — عبر جميع مجموعات الدول. ويشير الصندوق إلى أن أكثر من 60% من الدول تشهد حالياً انخفاضاً في نسب ديونها إلى الناتج المحلي، مما يعني أن الضبط المالي ممكن حين تتوفر الإرادة السياسية. غير أن التحدي الأكبر يكمن في أن الدول الأكثر تأثيراً في النظام المالي العالمي — وعلى رأسها الولايات المتحدة والصين — هي ذاتها التي تسير في الاتجاه المعاكس، مما يُضعف مصداقية الدعوات الدولية للانضباط المالي.
خاتمة: مفترق طرق تاريخي
يقف الاقتصاد العالمي اليوم على مفترق طرق لا يقل خطورة عن تلك اللحظات الفاصلة التي شهدها في أعقاب الحرب العالمية الثانية أو خلال الأزمة المالية العالمية عام 2008. فمع تجاوز الدين العالمي 353 تريليون دولار ونسبة الدين العام إلى الناتج المحلي المتجهة نحو 100%، لم تعد أزمة الديون مجرد رقم في التقارير الاقتصادية أو موضوعاً للنقاش الأكاديمي، بل أصبحت واقعاً يهدد القدرة على تمويل الخدمات العامة الأساسية والاستثمار في مستقبل الأجيال القادمة.
ومع أن المبادرات الدولية الأخيرة تمثل خطوات إيجابية تستحق التقدير، فإن حجم التحدي يتطلب ما هو أكثر بكثير:
*إرادة سياسية حقيقية لاتخاذ قرارات صعبة وغير شعبية، *وإصلاحات هيكلية جذرية في طريقة إدارة المالية العامة، *وتعاون دولي غير مسبوق لضمان ألا تتحول أزمة الديون إلى أزمة اجتماعية وسياسية شاملة تهدد الاستقرار العالمي.
إن الدرس الأهم الذي يقدمه التاريخ الاقتصادي هو أن أزمات الديون لا تنتهي بالتجاهل أو بالمزيد من الاقتراض، بل بالمواجهة الصريحة والإصلاح الحقيقي. والسؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح متزايد اليوم هو: هل يملك قادة العالم الشجاعة الكافية لمواجهة هذا الواقع قبل فوات الأوان، أم أنهم سيستمرون في تأجيل الحساب وتوريث الأزمة للأجيال القادمة، إلى أن يفرض الواقع نفسه بطريقة أكثر إيلاماً وأشد كلفة؟

كاتب رأي 

أهم المراجع:

1.معهد التمويل الدولي (IIF)، تقرير راصد الديون العالمية (Global Debt Monitor)، مايو 2026.
2.صندوق النقد الدولي (IMF)، الراصد المالي: السياسة المالية تحت الضغط — ديون مرتفعة ومخاطر متصاعدة (Fiscal Monitor: Fiscal Policy under Pressure: High Debt, Rising Risks)، أبريل 2026.
3.الأرشيف الوطني الأمريكي، إعلان الرئيس نيكسون بشأن النظام النقدي، 15 أغسطس 1971.
4.وزارة الخزانة الأمريكية، بيانات الدين العام (Fiscal Data: Total Public Debt)، مايو 2026.
5.مكتب الميزانية في الكونغرس الأمريكي (CBO)، المراجعة الشهرية للميزانية: مايو 2026 (Monthly Budget Review: May 2026)، يونيو 2026.
6.مكتب محاسبة الحكومة الأمريكية (GAO)، الدين الفيدرالي ينمو أسرع من الاقتصاد (The Federal Government’s Debt Is Growing Faster Than the Economy)، 11 يونيو 2026.
7.مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (أونكتاد)، إطلاق منصة المقترضين (Borrowers’ Platform)، 15 أبريل 2026.
8.بيان قادة مجموعة السبع بشأن الشراكات الدولية ذات المنفعة المتبادلة، قمة إيفيان، فرنسا، 16 يونيو 2026.
9.اللجنة الاقتصادية المشتركة في مجلس الشيوخ الأمريكي (JEC)، بيان الدين الوطني، يونيو 2026.

الدكتور عصام يحيي الفيلالي

اديب وكاتب رأي سعودي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.