نحو حوكمة مؤسسية لاستدامة المكتسبات وتمكين الشباب

نحو حوكمة مؤسسية لاستدامة المكتسبات وتمكين الشباب
عصام يحيى الفيلالي
عضو هيئة تدريس سابق – جامعة الملك عبدالعزيز
في ظل التحولات العالمية المتسارعة نحو اقتصاد المعرفة، لم تعد التنمية تقاس بوفرة الموارد الطبيعية وحدها، بل بقدرة الدول على الاستثمار في الإنسان بوصفه المورد الأكثر استدامة.
وفي هذا السياق، يبرز تقرير “الشباب السعودي في رؤية 2030: مقترح تأسيس الهيئة العامة للشباب” للمهندس عبدالله بن إبراهيم الرخيص، ليقدم قراءة استراتيجية عميقة لموقع الشباب في المشروع الوطني السعودي، متجاوزاً النظرة التقليدية التي تتعامل معهم كفئة تحتاج إلى الرعاية، إلى رؤية متقدمة تضعهم في قلب التحول الاقتصادي والاجتماعي.
وفيما يلي قراءة تفصيلية في مضامين هذا التقرير ومكامن تميزه، ثم تعليق عليه ضمن منظومة إعادة النظر في الهياكل القطاعية.
إن مما تميز به التقرير: عناوين واضحة لاستحقاق واضح ويتبين ذلك من العناصر التالية :
1. تأسيس فلسفي متين:
من “الرعاية” إلى “الاستثمار في الإنسان”
لم يبدأ التقرير من فراغ تنظيري، بل أسس لأطروحته على قاعدة فلسفية واضحة مفادها أن الشباب ليسوا فئة تحتاج إلى خدمات ورعاية فحسب، بل هم أثمن الأصول الوطنية في رحلة التحول. هذا التحول في المنظور – من الرعاية إلى الاستثمار – يمثل نقلة نوعية في الخطاب التنموي السعودي، ويعكس وعياً عميقاً بأن الثروة الحقيقية للمملكة ليست في باطن الأرض وحده، بل في طاقات أبنائها وبناتها.
ويستند التقرير إلى مفهوم “العائد الديموغرافي”، مبيناً أن النسبة المرتفعة للشباب في الهرم السكاني السعودي تمثل فرصة تاريخية لتحقيق قفزات تنموية إذا ما أحسن استثمارها، وأن هذه الفرصة محدودة بنافذة زمنية لا تتكرر.
2. الربط بين التنمية الشبابية والتنمية المكانية :
فمن أكثر ما يميز هذا التقرير هو تجاوزه للمقاربة المركزية في التعامل مع ملف الشباب.
فهو يرى أن المناطق والمدن والمحافظات ليست مجرد نطاقات جغرافية أو إدارية، بل بيئات حاضنة لصناعة الإنسان والفرص والمعرفة. ومن ثم فإن نجاح السياسات الشبابية لا يكتمل مركزياً فقط، بل يحتاج إلى منظومات محلية تمكّن الشباب من تحويل أفكارهم إلى مشروعات مرتبطة بمدنهم ومحافظاتهم.
وهذه المقاربة تحقق ثلاثة أهداف استراتيجية في آن واحد: *تعزيز العدالة التنموية بين المناطق،
*وتقليص الهجرة الداخلية القسرية نحو المدن الكبرى، *وتعميق الانتماء الوطني من خلال ربط الشاب بمشروع تنموي حقيقي داخل محافظته يجعله يشعر بأن الوطن تجربة يومية مؤثرة وليس مفهوماً تجريدياً.
3. التحول من “البحث عن الفرصة” إلى “صناعة الفرصة”:
يطرح التقرير تحولاً ثقافياً جوهرياً في العلاقة بين الشاب والاقتصاد؛ فبدلاً من انتظار الوظيفة الحكومية أو البحث عن فرصة جاهزة، يدعو إلى بناء جيل قادر على صناعة الفرصة عبر ريادة الأعمال والابتكار. ولا يطرح هذا التحول كشعار عاطفي، بل يربطه بمنظومة متكاملة من الحاضنات ومسرعات الأعمال والشراكات مع القطاع الخاص، ويعدّ هذه الأدوات ليست مجرد آليات اقتصادية، بل مؤسسات لبناء الثقة والجدوى والانتماء.
4. التشخيص الواقعي والشجاع للتحديات:
لم يقع التقرير في فخ الإشادة بالمنجزات دون الاشارة إلى الفجوات.
بل قدم تشخيصاً واقعياً وشجاعاً للتحديات التي تواجه الشباب السعودي، ومن أبرزها:
*دخول أكثر من 300 ألف شاب سنوياً إلى سوق العمل، *وارتفاع بطالة الشباب في الوظائف النوعية المستدامة في بعض المناطق إلى أكثر من 35%،
*وتسارع الهجرة الداخلية إلى المدن الكبرى،
*وتغير المهارات المطلوبة بوتيرة متسارعة،
*وضغوط السكن وتكاليف المعيشة،
*والتأثيرات النفسية والاجتماعية والإعلامية المصاحبة للتحولات السريعة.
إن التوازن بين الاعتزاز بالإنجاز والتشخيص الواضح للتحديات المستقبلية يمنح التقرير مصداقية عالية، ويجعل توصياته أكثر واقعية وقابلية للتنفيذ.
5. المنهج التشاركي في صناعة السياسات
يكشف التقرير عن منهج تشاركي متقدم في صناعة السياسات الشبابية؛ إذ يشير إلى مشاركة أكثر من ثلاثين جهة في بناء الاستراتيجية الشبابية، وإلى عقد ورش عمل في مختلف المناطق بمشاركة الشباب أنفسهم. وهذه النقطة ترفع من القيمة العملية للتقرير، لأنها تقدم الشباب باعتبارهم شركاء في التشخيص والصياغة لا مجرد موضوعات للسياسة العامة. فالشباب في هذا التقرير ليسوا متلقين للخدمات فقط، بل شركاء في تصميم السياسات وصناعة القرار.
6. الربط بين تمكين الشباب والأمن الوطني:
ومن الأفكار العميقة التي يطرحها التقرير ربطه بين الاستثمار في الشباب والأمن الوطني طويل المدى. فتوفير فرص حقيقية للتعليم والعمل والمشاركة يرفع من الثقة والانتماء والاستعداد للمساهمة في تنمية الوطن والدفاع عن مصالحه. وهذا الربط يرفع ملف الشباب من مستوى السياسة الاجتماعية إلى مستوى الأمن الاستراتيجي الوطني.
7. بناء القدرات المؤسسية للعاملين مع الشباب
لم يكتفِ التقرير بالتوصيات الموجهة للشباب أنفسهم، بل التفت إلى ضرورة بناء قدرات بشرية للعاملين مع الشباب، مع اقتراح تأسيس شهادة احترافية ومسارات مهنية متخصصة للعاملين في المجال الشبابي. وهذه نقطة بالغة الأهمية، لأن جودة السياسات لا تتحقق دون كوادر مؤهلة قادرة على ترجمتها إلى برامج فعالة.
8. التكامل بين المهارات المستقبلية والهوية الوطنية
يؤكد التقرير أن الرؤية لا تستهدف إعداد شباب قادرين على العمل فقط، بل إعداد جيل قادر على المنافسة العالمية وصناعة المعرفة وقيادة الابتكار، مع التركيز على المهارات المستقبلية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي والتقنيات العميقة. وفي الوقت ذاته، لا يفصل هذا التمكين عن الهوية الوطنية والقيم، بل يجعل منهما ركيزتين متلازمتين لبناء شخصية الشاب السعودي.
9. حزمة توصيات استراتيجية شاملة ومتدرجة
يقدم التقرير أكثر من ستة عشر توصية استراتيجية تغطي مساحة واسعة من الاحتياجات، من أبرزها: إعداد استراتيجية وطنية شاملة للشباب حتى 2040، وتطوير برامج مناطقية للتنمية الاقتصادية والتوظيف العادل، وتعزيز المواءمة بين التعليم وسوق العمل والتوسع في المهارات المستقبلية، ودعم ريادة الأعمال ذات القيمة المضافة العالية في القطاعات الاستراتيجية، وتعزيز المشاركة الشبابية في صنع السياسات العامة، وإطلاق برامج وطنية للصحة النفسية والرفاه الاجتماعي، وإنشاء مراكز شبابية متكاملة ومستدامة في المناطق، وبناء منظومة وطنية لقياس أثر السياسات الشبابية.
10. المقترح المؤسسي الجوهري: تأسيس هيئة عامة للشباب:
تصل الورقة في توصيتها الأخيرة والأهم إلى جوهرها المؤسسي، إذ تدعو صراحة إلى تأسيس هيئة حكومية متخصصة في قطاع الشباب تحت مظلة تشاركية تضم وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية ووزارة التعليم ووزارة الاقتصاد والتخطيط ووزارة الثقافة ووزارة الرياضة، إضافة إلى القطاعين الخاص وغير الربحي والمجتمع.
وهذه النقطة هي أكثر ما يميز التقرير من منظور الحوكمة، لأنها لا تكتفي بالتشخيص أو التوصيات القطاعية المتفرقة، بل تقترح حلاً مؤسسياً جامعاً يتولى التنسيق والقياس والاستدامة، ويعالج التشظي المؤسسي الذي يعاني منه ملف الشباب حين يتوزع بين جهات متعددة دون مرجعية موحدة.
إن الدعوة لتأسيس هيئة عامة للشباب لا تمثل مجرد إضافة هيكلية جديدة، بل تعكس حاجة ماسة لمعالجة مشكلة بنيوية تتكرر في عدد من القطاعات الوطنية: ضياع الملفات الاستراتيجية الكبرى بين إدارات فرعية أو تداخلها مع ملفات تشغيلية ضخمة. وهذا التوجه ينسجم تماماً مع منظومة أوسع لإعادة النظر في هياكل بعض القطاعات لرفع كفاءتها التنموية.
وفي هذا الإطار، يقودنا تقرير المهندس الرخيص إلى استحضار المبادرة التي تناولناها في مقالة سابقة حول “إعادة تموضع منظومة التعليم العالي بوصفها رافعة وطنية للبحث والابتكار والتنافسية وسوق العمل”. ففي تلك المذكرة، أشرنا إلى أن جمع التعليم العام والتعليم العالي في حقيبة وزارية واحدة قد يؤدي إلى تزاحم الأولويات واستحواذ القضايا التشغيلية اليومية للتعليم العام على الطاقة المؤسسية، مما يعيق قدرة التعليم العالي على التفرغ لرسالته الأساسية المتمثلة في البحث والابتكار والتنافسية العالمية والمواءمة مع سوق العمل.
وكان المقترح يتمحور حول منح التعليم العالي مساحة مؤسسية مستقلة ومركزة، ليس بوصفه فصلاً إدارياً شكلياً، بل كتحول نوعي لتمكين كل قطاع من أداء دوره بقيادة متخصصة.
وبالنظر إلى كلا المقترحين – تأسيس هيئة للشباب وفصل التعليم العالي – نجد أنهما ينبثقان من فلسفة حوكمة واحدة. فكلاهما يدرك أن الملفات الوطنية الكبرى والمتقاطعة تفقد بوصلتها الاستراتيجية عندما تضيع بين إدارات فرعية أو تتداخل مع ملفات تشغيلية ضخمة. وكلاهما يدعو إلى “التركيز المؤسسي” وتوحيد المرجعيات لتسريع اتخاذ القرار، وضمان المرونة، وربط المخرجات باحتياجات التنمية الوطنية والاقتصاد المعرفي.
ففي ملف الشباب، يتجلى ذلك في إنشاء هيئة متخصصة توحد المرجعية الشبابية وتجمع جهود أكثر من ثلاثين جهة تحت مظلة واحدة بقيادة تفهم طبيعة العمل الشبابي وتحدياته.
وفي ملف التعليم العالي، يتجلى في فصل الملفات البحثية والابتكارية عن الملفات التشغيلية، ومنح الجامعات قيادة تفهم التصنيفات والشراكات الدولية ومتطلبات البحث والابتكار.
وفي كلا الحالتين، المستهدف هو المرونة وسرعة الاستجابة لتحولات سوق العمل والتقنية، وربط المخرجات بمؤشرات أداء قابلة للقياس تخدم التنمية الوطنية والاقتصاد المعرفي.
إن الغاية ليست إنشاء هيكل جديد بقدر ما هي تمكين القطاع من أداء دوره الحقيقي في بناء اقتصاد معرفي وتعزيز البحث والابتكار.
وهذا المبدأ الذي أطّر مبادرة فصل التعليم العالي، هو ذاته الذي يؤطر المطالبة بتأسيس هيئة عامة للشباب؛ فالمستهدف ليس تضخيم الجهاز الإداري،
بل إيجاد قيادة متخصصة قادرة على تحويل الرؤى إلى برامج عمل ومؤشرات أداء قابلة للقياس والمتابعة.
وكلا المقترحين يخدم رؤية 2030 في محورها الأعمق: الاستثمار في الإنسان السعودي
وتمكينه من قيادة مستقبل وطنه بأعلى معدلات الكفاءة والإنجاز
في ظل قيادة راشدة تسعى إلى غدٍ مشرق وضاء
وما ذلك على الله بعزيز
كاتب رأي