لا شرقاً ولا غرباً… بل سعودياً

لا شرقاً ولا غرباً… بل سعودياً
كيف أعادت المملكة تعريف الشراكة مع القوى الكبرى؟
الرياض لا تستبدل حليفاً بحليف، ولا تنتقل من محور إلى محور… بل تبني لنفسها موقعاً لا يحتاج إلى الاصطفاف
في العلاقات بين الدول، هناك فرق كبير بين الحليف والتابع.
الحليف يلتقي معك حين تتفق المصالح، ويختلف معك حين تختلف، ثم تبقى العلاقة قائمة لأن كليكما يعرف قيمة الآخر.
أما التابع، فلا يملك ترف الاختلاف.
وهنا تحديداً يجب أن تُقرأ العلاقة بين المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة الأمريكية.
فهي ليست علاقة عابرة، ولا وليدة ظرف سياسي حديث، بل شراكة امتدت لأكثر من ثمانية عقود، وعبرت ملوكاً ورؤساء، وحروباً وأزمات وتحولات كبرى في النظام الدولي.
ومع ذلك، لم تكن السعودية في أي مرحلة ولاية أمريكية في الشرق الأوسط، ولم يكن قرارها الوطني ورقة تمنحها لهذه الإدارة أو تلك.
كانت شريكاً.
واليوم تريد أن تكون شريكاً أكثر استقلالاً.
وهذا فرق جوهري.
من كوينسي إلى عالم مختلف
حين التقى الملك عبدالعزيز والرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت على متن الطراد «كوينسي» عام 1945، كان العالم يخرج من حرب عالمية مدمرة.
أمريكا كانت في طريقها إلى قمة النظام الدولي.
والنفط أصبح عصباً استراتيجياً للقوة الحديثة.
والمملكة الناشئة كانت تدرك قيمة ما تملك، كما كان الملك عبدالعزيز يدرك أهمية القوة الأمريكية الصاعدة.
لكن حتى في تلك اللحظة، عندما كان ميزان القوة بين البلدين مختلفاً بصورة هائلة، لم يتردد الملك عبدالعزيز في الاختلاف مع روزفلت في فلسطين.
وهذه نقطة تستحق التأمل.
فالعلاقة السعودية الأمريكية وُلدت أصلاً وفي داخلها القدرة على الاختلاف.
ولذلك فإن من يتصور اليوم أن أي اختلاف بين الرياض وواشنطن يعني انهيار التحالف، لا يفهم تاريخ هذه العلاقة.
فلسطين… الامتحان القديم الجديد
مرت أكثر من ثمانية عقود، وتغيرت الأسماء والظروف، لكن فلسطين عادت مرة أخرى لتصبح اختباراً لاستقلال القرار السعودي.
فالولايات المتحدة تريد توسيع اتفاقات أبراهام.
وإسرائيل ترى في إقامة علاقة مع السعودية تحولاً استراتيجياً وتاريخياً.
والرياض تعرف جيداً قيمة الورقة التي تحملها.
ولهذا لا تتعامل معها باعتبارها هدية مجانية.
السعودية ليست ضد السلام.
بل كانت صاحبة واحدة من أشمل مبادرات السلام العربية.
لكن هناك فرقاً بين سلام ينهي الصراع، وسلام يؤجله بينما يبقى أصل المشكلة قائماً.
ومن هنا يصبح الموقف السعودي مفهوماً:
إذا كان المطلوب إعادة تشكيل الشرق الأوسط، فلا يمكن إعادة تشكيله مع إبقاء القضية التي فجّرت أزماته الكبرى معلقة.
لماذا تحتاج إسرائيل إلى السعودية؟
هذا سؤال لا يُطرح كثيراً.
غالباً يقال ماذا ستحصل السعودية من التطبيع؟
لكن ماذا ستحصل إسرائيل؟
الإجابة أكبر بكثير.
العلاقة مع السعودية ليست مجرد فتح سفارة.
إنها، بالنسبة لإسرائيل، انتقال إلى مستوى مختلف من القبول الإقليمي.
فالمملكة ليست دولة عربية أخرى فقط.
هي أكبر اقتصاد عربي.
وقلب الخليج.
وصاحبة الحرمين الشريفين.
وعضو في مجموعة العشرين.
وصاحبة ثقل كبير في العالمين العربي والإسلامي.
ولهذا فإن الورقة السعودية ثمينة.
والدولة الحكيمة لا تتنازل عن أوراقها الثمينة مقابل مكاسب مؤقتة.
وأمريكا أيضاً تحتاج إلى السعودية
كما تحتاج المملكة إلى شراكتها مع الولايات المتحدة، تحتاج واشنطن بدورها إلى الرياض.
تحتاج إليها في الطاقة.
وفي استقرار الخليج.
وفي البحر الأحمر.
وفي مكافحة الإرهاب.
وفي الاستثمارات.
وفي التوازنات الإقليمية.
وفي العلاقة مع العالم الإسلامي.
وفي المنافسة الاقتصادية والاستراتيجية المتزايدة مع الصين.
وهذه النقطة تغير طبيعة العلاقة.
فالعلاقات الدولية تصبح أكثر توازناً عندما يدرك الطرفان أنهما يحتاجان إلى بعضهما.
ولهذا لم يعد السؤال:
ماذا تريد أمريكا من السعودية؟
بل أيضاً:
ماذا تستطيع أمريكا أن تقدم للسعودية في عالم أصبحت فيه الخيارات أكثر؟
الصين غيرت المعادلة… ولكن ليس بالطريقة التي يعتقدها البعض
هناك قراءة سطحية تقول إن السعودية تبتعد عن أمريكا وتتجه إلى الصين.
وأحسب أن هذا تبسيط شديد.
فالمملكة لا تحتاج إلى استبدال اعتماد باعتماد آخر.
لو خرجت من مظلة أمريكية لتدخل مظلة صينية، فما الذي تغير؟
الاستقلال الحقيقي ليس تغيير السيد.
بل ألا يكون لك سيد أصلاً.
ولهذا تستطيع الرياض أن تحتفظ بعلاقة أمنية وتقنية واستثمارية عميقة مع واشنطن، وأن تصبح الصين في الوقت نفسه شريكاً اقتصادياً كبيراً، وأن تعمل مع الهند، وأوروبا، واليابان، وكوريا، وروسيا وغيرها.
هذه ليست سياسة محاور.
إنها سياسة تعدد الخيارات.
ومن يملك خيارات أكثر، يفاوض من موقع أقوى.
واشنطن بدأت تدرك السعودية الجديدة
لوقت طويل اعتادت السياسة الأمريكية التعامل مع كثير من دول الشرق الأوسط باعتبار الأمن هو الورقة الحاسمة:
نحن نحمي، وأنتم تتبعون.
لكن العالم تغير.
والسعودية تغيرت.
فالرياض اليوم تبني صناعتها العسكرية، وتنويع اقتصادها، وقدراتها التقنية، وعلاقاتها الدولية، وتستثمر في الطاقة التقليدية والمتجددة والذكاء الاصطناعي والمعادن والخدمات اللوجستية.
وهذا كله ليس منفصلاً عن السياسة الخارجية.
كل مصنع جديد يضيف شيئاً إلى استقلال القرار.
وكل تقنية تمتلكها المملكة تقلل اعتماداً خارجياً.
وكل سوق جديد للصادرات يوسع خياراتها.
وكل علاقة دولية جديدة تمنع احتكار طرف واحد للقرار.
رؤية 2030، بهذا المعنى، ليست اقتصاداً فقط؛ إنها بنية تحتية للاستقلال السياسي.
الاتفاق النووي… المسألة أكبر من مفاعل
وهنا تأتي قضية التعاون النووي المدني.
السعودية لا تنظر إلى الطاقة النووية باعتبارها مشروعاً رمزياً.
فهي دولة تريد بناء اقتصاد صناعي وتقني ضخم، وتريد تنويع مزيج الطاقة، والاستفادة من مواردها، وبناء قدراتها العلمية.
ومن الطبيعي أن تكون الولايات المتحدة شريكاً مهماً في هذا المجال.
لكن إذا تحول التعاون التقني إلى وسيلة لفرض قرار سياسي سيادي آخر، تصبح المسألة مختلفة.
فالسلام مع إسرائيل قرار استراتيجي تاريخي.
والتعاون النووي ملف استراتيجي آخر.
يمكن أن يلتقيا في المفاوضات.
لكن المملكة هي التي تقرر في النهاية متى وكيف وبأي مقابل سياسي يخدم رؤيتها للمنطقة.
وهذه هي السيادة.
محمد بن سلمان… جيل مختلف في إدارة العلاقة
ربما يكون أحد أهم التحولات في السياسة السعودية الحديثة هو طريقة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان في التعامل مع القوى الكبرى.
هناك ثقة أكبر في الوزن السعودي.
واللغة أصبحت أكثر وضوحاً.
المصلحة السعودية أولاً، ولكن دون تحويل الاختلاف إلى عداوة.
وهذه معادلة دقيقة.
فليس من مصلحة المملكة خسارة الولايات المتحدة.
كما أنه ليس من مصلحتها تسليم قرارها لها.
وليس من مصلحتها معاداة الصين.
كما أنه ليس من مصلحتها الارتماء في حضن بكين.
ولذلك فإن السياسة الأصعب هي الأفضل:
كن قريباً من الجميع، ولكن ابقَ ملك نفسك.
عصر الشيكات المفتوحة انتهى
ليس تجاه أمريكا وحدها.
بل تجاه الجميع.
الدعم السعودي ليس بلا حساب.
والاستثمار السعودي ليس بلا مقابل.
والوساطة السعودية ليست بلا هدف.
والعلاقات السعودية ليست علاقات عاطفية.
هناك دولة تبني مشروعاً وطنياً ضخماً وتحتاج إلى كل ريال، وكل فرصة، وكل علاقة، وكل ورقة قوة لتحقيقه.
وهذا لا يتعارض مع مفهوم دولة الرسالة.
بل يصححه.
فدولة الرسالة ليست الدولة التي تعطي حتى تضعف.
بل الدولة التي تصبح قوية إلى الحد الذي تستطيع معه أن تعطي دون أن تُستنزف.
لا شرقاً ولا غرباً… بل سعودياً
ربما كانت هذه العبارة تختصر التحول كله.
لسنا أمام السعودية الأمريكية.
ولا السعودية الصينية.
ولا السعودية الروسية.
نحن أمام السعودية السعودية.
تتعاون مع الغرب عندما تتفق المصالح.
وتتعاون مع الشرق عندما تتفق المصالح.
وتختلف مع هذا.
وترفض طلب ذاك.
وتتوسط بين خصمين.
وتجلس مع الجميع.
لكن البوصلة في النهاية لا تشير إلى واشنطن ولا بكين ولا موسكو.
إنها تشير إلى الرياض.
وهذا ما تعلمناه من عبدالعزيز
من يقرأ الملك عبدالعزيز جيداً سيجد أن هذه الفكرة ليست جديدة.
لقد تعامل المؤسس مع القوى العظمى في عصره، لكنه لم يسمح لإحداها بابتلاع قراره.
عرف قيمة بريطانيا.
ثم عرف قيمة أمريكا الصاعدة.
لكنه عرف قبل ذلك كله قيمة دولته.
وهذه هي المدرسة التي ينبغي ألا تضيع.
الدولة الصغيرة تبحث عن قوة تحتمي بها.
أما الدولة الكبيرة فتبني شبكة مصالح تجعل القوى الكبرى نفسها حريصة على استمرار العلاقة معها.
وهنا الفرق بين الحماية والشراكة.
العالم الجديد لا يريد أتباعاً فقط
النظام الدولي يتحول.
أمريكا ستبقى قوة عظمى.
لكن الصين موجودة.
والهند تصعد.
وأوروبا تبحث عن موقعها.
وروسيا لن تختفي.
ودول الجنوب العالمي تريد مساحة أكبر في القرار الدولي.
وفي هذا العالم، ستكون الدول الأكثر نجاحاً ليست بالضرورة تلك التي اختارت المعسكر المنتصر مبكراً.
بل الدول التي حافظت على قدرتها على التعامل مع أكثر من معسكر.
والسعودية تملك مقومات نادرة لذلك:
الطاقة.
الموقع.
رأس المال.
الحرمين الشريفين.
الثقل العربي والإسلامي.
مجموعة العشرين.
اقتصاد كبير.
مشروعات مستقبلية.
وعلاقات تستطيع أن تمتد من واشنطن إلى بكين، ومن نيودلهي إلى بروكسل وموسكو.
هذه ليست أوراقاً للاحتفاظ بها في الخزانة.
إنها أوراق يجب تحويلها إلى نفوذ.
ماذا تريد السعودية من أمريكا؟
لا تريد عداءً.
ولا قطيعة.
ولا استبدالها بقوة أخرى.
السعودية تريد من أمريكا ما يفترض أن يريده أي شريك من شريكه:
الاحترام.
المصالح المتبادلة.
التعاون الأمني والتقني.
الاستثمار.
ونقل المعرفة.
والتعامل معها كما هي اليوم، لا كما كانت قبل خمسين عاماً.
وفي المقابل، لدى المملكة الكثير لتقدمه.
لكن العلاقة الناجحة في القرن الحادي والعشرين لا يمكن أن تقوم على معادلة:
أنا أقرر وأنت تنفذ.
بل:
نتفاوض، نتفق، نختلف، ثم نحترم قرار بعضنا.
فلسطين مرة أخرى
وهنا تظهر قيمة الموقف السعودي.
لو كانت الرياض تبحث عن صفقة قصيرة الأجل، لكان الطريق أسهل.
لكن القضية الفلسطينية أكبر من صفقة.
فأي نظام إقليمي جديد لا يقدم للفلسطينيين أفقاً سياسياً حقيقياً سيحمل في داخله بذور انفجاره القادم.
وقد أثبت تاريخ المنطقة ذلك مراراً.
ولهذا فإن الإصرار السعودي على مسار حقيقي للدولة الفلسطينية ليس فقط وفاءً بموقف تاريخي.
إنه أيضاً بعد نظر.
لأن المملكة تريد سلاماً يعيش خمسين عاماً، لا صورة توقيع تعيش خمسين يوماً.
الحليف الحقيقي يحترم كلمة «لا»
وهذه قاعدة ينبغي أن تكون مفهومة في واشنطن كما هي في الرياض.
إذا كانت العلاقة لا تحتمل الاختلاف، فهي ليست شراكة.
وإذا كان قول «لا» في ملف واحد يهدم ثمانين عاماً من العلاقات، فالمشكلة ليست في كلمة «لا»، بل في تعريف العلاقة نفسها.
السعودية تستطيع أن تقول نعم لأمريكا في عشرات الملفات.
وتقول لا في ملف آخر.
وأمريكا تستطيع أن تختلف معها.
ثم يجلس الطرفان في اليوم التالي ويتفاوضان.
هذا ما تفعله الدول الواثقة.
السعودية لا تبحث عن الاستقلال من أمريكا
لأن هذه العبارة نفسها غير دقيقة.
السعودية دولة مستقلة أصلاً.
ما تفعله اليوم هو توسيع مساحة استقلال القرار.
وهذا يحدث عندما تزيد البدائل.
وحين تصبح الدولة أكثر تصنيعاً.
وأقل اعتماداً على مصدر دخل واحد.
وأكثر امتلاكاً للتكنولوجيا.
وأقوى عسكرياً.
وأكثر اتصالاً بالأسواق العالمية.
وأكثر قدرة على تمويل خياراتها بنفسها.
ولهذا أكرر:
لا يمكن فهم السياسة الخارجية السعودية الجديدة بعيداً عن رؤية 2030.
إنهما مشروع واحد بأداتين مختلفتين.
في النهاية… المصالح تتغير والجغرافيا تبقى
سيأتي رئيس أمريكي بعد ترامب.
وسيأتي رئيس بعده.
وسيتغير قادة الصين.
وقد تتغير الحكومات الإسرائيلية.
وسيتغير شكل إيران.
لكن السعودية ستبقى هنا.
في قلب الخليج.
وعلى البحر الأحمر.
وفي قلب العالم الإسلامي.
وبين آسيا وأفريقيا وأوروبا.
وهذا يعني أن السياسة السعودية لا يمكن أن تُبنى على مزاج إدارة أمريكية مدتها أربع سنوات.
بل على مصالح دولة عمر مشروعها قرون.
وهذه ربما أهم قاعدة في السياسة الخارجية:
لا تجعل علاقة مؤقتة تقرر مصلحة دائمة.
الشراكة نعم… والقرار لنا
ليس في هذه العبارة تحدٍ لأمريكا.
ولا خصومة معها.
بل ربما تكون أساس العلاقة الأكثر صحة معها.
نريد أمريكا شريكاً قوياً.
ونريد الصين شريكاً مهماً.
ونريد علاقات ممتازة مع أوروبا والهند واليابان وكوريا وغيرها.
لكننا لا نريد أن تكون السعودية ورقة في يد أي منها.
فزمن العالم ذي القطب الواحد يتغير.
وزمن الاعتماد على طريق واحد يتغير.
وزمن الاقتصاد القائم على مورد واحد يتغير.
والسعودية نفسها تتغير.
لكن وسط كل هذا التغيير يبقى شيء واحد لا ينبغي أن يتغير:
أن يكون القرار السعودي سعودياً.
فالتحالفات أدوات.
والاقتصاد أداة.
والنفط أداة.
والدبلوماسية أداة.
والقوة أداة.
أما الغاية فهي:
السعودية.
أمنها.
سيادتها.
ازدهار شعبها.
مكانتها.
ورسالتها.
ولهذا فإن الرسالة التي ينبغي أن يفهمها الصديق قبل الخصم بسيطة:
نحن لا نستبدل واشنطن ببكين.
ولا الغرب بالشرق.
ولا حليفاً بحليف.
نحن نبني دولة تستطيع أن تمد يدها إلى الجميع، دون أن تمد يدها لأحد طلباً للإذن.
إلى أمريكا نقول: الشراكة نعم… والصداقة نعم… والمصالح المشتركة نعم.
أما القرار، فكان سعودياً منذ عبدالعزيز… وسيبقى سعودياً.
بقلم: مهندس صالح بن سعيد المرزم
28 يوليو 2026م
