كُتاب الرأي

حضرموت لن يصنع الغد من فشل الأمس

حضرموت لن يصنع الغد من فشل الأمس

هناك حقيقة يجب أن يتوقف الجميع أمامها بشجاعة:

حضرموت لم تخسر بسبب قلة الرجال، ولم تُهمّش بسبب ضعف إمكاناتها، بل لأنها دفعت ثمن أخطاء نخبها قبل أن تدفع ثمن أطماع الآخرين.

منذ عقود، ونحن نكرر الأخطاء نفسها، لكن بأسماء مختلفة. تتغير القيادات، وتتبدل المسميات، وتُرفع شعارات جديدة، بينما تبقى العقلية السياسية كما هي؛ عقلية لا تؤمن بالمراجعة، ولا تعترف بالخطأ، ولا تتعلم من التجارب.

ولهذا لم يكن مستغربًا أن تتعثر المشاريع الحضرمية واحدًا تلو الآخر، لأن معظمها انشغل بمن يقود المشهد أكثر من انشغاله إلى أين يتجه المشهد.

لقد أثبتت السنوات الماضية أن المشكلة لم تكن يومًا في نقص المبادرات، بل في غياب المشروع الجامع، وفي تحويل كل مبادرة إلى ساحة تنافس، وكل اختلاف إلى خصومة، وكل نقد إلى تخوين.

ولهذا ضاعت فرص كثيرة كان يمكن أن تغيّر مسار حضرموت.

إن أخطر ما يمكن أن نفعله اليوم هو أن نكرر التجربة نفسها تحت عنوان جديد.

فلا يكفي أن نغيّر أسماء المؤسسات، ولا أن نؤسس كيانات جديدة، ولا أن نشكل حكومة أو مجلسًا أو هيئة، إذا كانت طريقة التفكير التي أوصلتنا إلى هذا الواقع ما زالت هي التي تدير المرحلة المقبلة.

الأزمة ليست أزمة أشخاص… بل أزمة منهج.

فكم من قائد بدأ يحمل آمال الناس، ثم انتهى أسيرًا للمجاملات، والمحاصصة، وضغوط المصالح، حتى فقد المشروع روحه، وفقد الناس ثقتهم به.

إن حضرموت اليوم لا تحتاج إلى من يضيف كيانًا جديدًا إلى قائمة الكيانات، بل تحتاج إلى من يضيف قيمة جديدة إلى العمل العام.

ولا تحتاج إلى من يحتكر تمثيلها، بل إلى من يؤمن بأن حضرموت أكبر من الجميع، وأن مستقبلها لا يمكن أن يُبنى بالإقصاء، ولا بالمناطقية، ولا بالولاءات الضيقة.

لقد أثبت التاريخ أن الأمم التي لا تواجه أخطاءها بصدق، تُجبر على تكرارها.

وأثبت أيضًا أن الذين يرفضون سماع النقد، ينتهون إلى سماع صوت الفشل.

ومن هنا فإن نجاح أي مشروع حضرمي جديد لن يكون مرهونًا بالأسماء التي تتصدر المشهد، وإنما بقدرته على الإجابة عن سؤال واحد:

ما الذي سيتغير هذه المرة؟

فإن كانت الإجابة مجرد تغيير في الأشخاص، فسنعود إلى النقطة نفسها.

أما إذا كان التغيير في الفكر، وفي الإدارة، وفي احترام الكفاءة، وفي بناء المؤسسات، وفي تقديم مصلحة حضرموت على مصالح الأفراد والجماعات، فحينها فقط يمكن أن نقول إننا بدأنا نتعلم من التاريخ.

ولعل المسؤولية الكبرى اليوم تقع على عاتق النخب الحضرمية، السياسية، والقبلية، والأكاديمية، والاقتصادية، والإعلامية، أكثر من أي وقت مضى. فقد أثبتت السنوات أن تشتتها كان أحد أهم الأسباب التي أضعفت الموقف الحضرمي، وسمحت للآخرين بالتحدث باسم حضرموت أو فرض أجنداتهم عليها.

إن المرحلة القادمة لا تحتمل المزيد من الانقسامات، ولا الصراعات الجانبية، ولا تصفية الحسابات الشخصية. بل تتطلب أن ترتقي النخب الحضرمية إلى مستوى المسؤولية التاريخية، فتتوحد حول مشروع حضرمي جامع، وتقدم رؤية واحدة، وخطابًا واحدًا، ومطالب واضحة، بعيدًا عن المصالح الضيقة والمكاسب المؤقتة.

إن توحيد الصف الحضرمي لم يعد خيارًا سياسيًا، بل أصبح ضرورة وطنية. ومن هنا، فإن الواجب يحتم على جميع المكونات والنخب الحضرمية أن تتجه بخطاب موحد ورؤية مشتركة إلى دار الحزم والعزم، قيادة المملكة العربية السعودية، باعتبارها العمق العربي والإقليمي، وأن تطرح أمامها مطالب حضرموت المشروعة بكل وضوح ومسؤولية، بعيدًا عن التنافس الشخصي أو تعدد الأصوات الذي أضعف القضية الحضرمية طوال العقود الماضية.

فحضرموت لا تحتاج اليوم إلى وفود متنافسة، بل إلى وفد موحد، ولا إلى خطابات متناقضة، بل إلى مشروع وطني متفق عليه، يحمل تطلعات أهلها، ويعبر عن مصالحهم، ويؤسس لشراكة استراتيجية قائمة على الوضوح والاحترام المتبادل وتحقيق الأمن والاستقرار والتنمية.

لقد علمتنا التجارب أن الدول تحترم من يوحد كلمته، ويحدد مطالبه، ويقدم مشروعًا واضحًا، أما الانقسام فلا ينتج إلا مزيدًا من التهميش، ومزيدًا من ضياع الفرص.

إن حضرموت اليوم أمام لحظة تاريخية لا تحتمل تكرار أخطاء الماضي، ولا إعادة تدويرها بأسماء جديدة. فالتاريخ لا يرحم من يكرر أخطاءه، ولا يمنح الفرص إلى ما لا نهاية.

لسنا بحاجة إلى صناعة أبطال جدد، بل إلى صناعة ثقافة سياسية جديدة؛ ثقافة تؤمن بأن الأوطان لا تنهض بمن يصفقون للقادة، وإنما بمن يحاسبونهم، ولا تُحمى بالولاءات الشخصية، بل بالمؤسسات والعدالة وسيادة القانون.

إننا إذا لم نتعلم من إخفاقات العقود الماضية، وإذا لم نمتلك الشجاعة لمراجعة أنفسنا قبل مطالبة الآخرين بمراجعة مواقفهم، فإننا سنورث أبناءنا الحلقة نفسها من الأزمات، وسندور في المكان ذاته مهما تغيرت الشعارات أو تبدلت الوجوه.

فليس عيبًا أن نخطئ…

ولكن العيب أن نُصر على الخطأ، ثم نطالب الناس بالتصفيق له.

وليس بطولة أن نغيّر الوجوه…

بل البطولة أن نغيّر العقلية التي صنعت الإخفاق.

إن حضرموت تستحق قيادة تتواضع أمام الحقيقة، وتتعلم من أخطاء الماضي، وتؤمن بأن الوطن أكبر من الأشخاص، وأن التاريخ لا يخلّد من يرفع الشعارات، بل من يحقق الإنجازات.

فمن لا يتعلم من فشل الأمس، فلن يصنع نجاح الغد… مهما غيّر الشعارات أو الوجوه.

✍️ المهندس / صالح بن سعيد المرزم
5 يوليو 2026

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.