مجلس التعاسة اليمني

مجلس التعاسة اليمني
هناك فرقٌ شاسع بين سلطةٍ نشأت من رحم الشعب، وسلطةٍ صُنعت في غرف السياسة، ثم أُلبست ثوب الشرعية.
إن أكبر مأساة عاشتها الساحة اليمنية لم تكن الحرب وحدها، بل تحويل الفشل إلى مؤسسة، والهزيمة إلى منصب، والهروب إلى مؤهلٍ للحكم.
أي منطقٍ سياسي هذا الذي يجعل من عجز عن حماية منزله، مؤهلاً لحماية وطن؟! وأي عقلٍ يقبل أن يتحول من فقد أرضه، إلى قائدٍ مكلف باستعادتها؟!
التاريخ العسكري والسياسي يخبرنا أن الجيوش قد تُهزم، وأن الحكومات قد تسقط، لكن من النادر أن تُكافأ الهزيمة بإعادة تدوير أصحابها على أنهم المنقذون.
لقد شاهد العالم حكوماتٍ في المنفى، لكنها كانت تقود معارك التحرير، وتحشد الشعوب، وتدفع الثمن. أما أن يتحول المنفى إلى نمط حياة، وأن تصبح الفنادق بديلاً عن الميدان، وأن تتحول الامتيازات إلى هدف بحد ذاته، فهنا تتغير طبيعة القضية كلها.
السؤال الذي يرفض أحد الإجابة عنه هو: ماذا أنجزت هذه الشرعية طوال سنوات وجودها؟ هل استعادت مدينة؟ هل أعادت مؤسسة؟ هل صنعت نموذجًا للدولة؟ أم أنها تحولت إلى منظومة تعيش على استمرار الأزمة أكثر مما تعيش على إنهائها؟
من يراقب المشهد يدرك أن كثيرًا من رموز هذه السلطة لم يعودوا يتحدثون بلغة العودة، بل بلغة البقاء؛ بقاء الامتيازات، وبقاء المناصب، وبقاء الدعم، وبقاء الأزمة نفسها.
لقد أصبح المشهد أشبه بمسرحية سياسية طويلة، أبطالها لم ينجحوا في حماية بيوتهم، لكنهم يطالبون بقيادة وطنٍ كامل.
والمفارقة الأكثر إيلامًا أن من شرعن هذا الواقع، واستمر في دعمه، يتحمل نصيبًا من المسؤولية السياسية والأخلاقية. فالشرعية ليست شهادةً أبدية، وإنما عقدٌ يقوم على الإنجاز. وإذا غاب الإنجاز، وتحولت السلطة إلى عبء على الناس، فإن استمرار الاعتراف بها يصبح محل تساؤل مشروع.
إن من سلّم أرضه، أو عجز عن الدفاع عنها، ثم غادرها سنواتٍ طويلة، لا يستطيع أن يعود إليها حاكمًا بمجرد قرار سياسي أو اعتراف خارجي. فالشرعية الحقيقية تُصنع على الأرض، لا على الورق، ويمنحها الناس، لا البيانات.
ولهذا، فإن إطلاق وصف “مجلس التعاسة اليمني” على هذا الكيان، في نظر منتقديه، ليس مجرد سخرية، بل تعبير عن حالة من الإحباط تجاه مسارٍ سياسي طال أمده دون أن يحقق النتائج التي وُعد بها.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه بقوة:
بعد كل هذه السنوات… ألم يحن الوقت لمراجعة التجربة كاملة؟ أم أن الإصرار على إعادة تدوير الأدوات نفسها سيقود إلى النتيجة نفسها، مهما تبدلت الأسماء والمسميات؟
بقلم: مهندس صالح بن سعيد المرزم
28 يونيو 2026


