كُتاب الرأي

الشرق الأوسط الجديد… يُصاغ من الرياض

الشرق الأوسط الجديد… يُصاغ من الرياض

لم تعد المملكة العربية السعودية تتعامل مع أزمات المنطقة بمنطق ردود الأفعال، ولا بمنهج إدارة الأزمات اليومية، بل انتقلت إلى مرحلة أكثر تأثيرًا وعمقًا؛ مرحلة إعادة هندسة الإقليم وصياغة توازنات جديدة تقوم على المصالح والاستقرار والتنمية، بدلًا من الاستقطابات التي استنزفت المنطقة لعقود.

التحليلات الدولية بدأت تلتقط هذا التحول بوضوح. فمجلة Foreign Policy أشارت إلى أن السعودية تقود مسارًا سياسيًا يتجاوز الإطار الخليجي التقليدي، عبر شبكة تعاون تضم قطر ومصر وتركيا وباكستان، في مؤشر على ولادة نواة لتحالف إقليمي جديد يعيد ترتيب الأولويات وموازين القوى. (Foreign Policy)

وهذا التحول لا يُقاس بعدد الدول المشاركة فحسب، بل بطبيعة الفكرة نفسها.

فالمنطقة عاشت لعشرات السنين داخل معادلات قائمة على الانقسامات والصراعات بالوكالة، بينما يبدو أن الرياض اليوم تعمل على بناء معادلة مختلفة؛ معادلة تجعل الأمن مرتبطًا بالاقتصاد، والاستقرار مرتبطًا بالتنمية، والتحالفات مرتبطة بالمصالح الإستراتيجية لا بالشعارات السياسية.

ولعل أكثر ما يلفت الانتباه أن الدول التي يُتحدث عنها تمتلك عناصر قوة متكاملة.

فالسعودية تمثل الثقل الاقتصادي والسياسي والديني، وقطر تمتلك خبرة واسعة في الوساطات والدبلوماسية، ومصر تشكل العمق العربي والجغرافي، وتركيا قوة صناعية وعسكرية مؤثرة، وباكستان تملك ثقلًا بشريًا وعسكريًا وإستراتيجيًا مهمًا.

وعندما تتقاطع هذه القدرات ضمن رؤية واحدة، فإن الناتج لا يكون مجرد تنسيق سياسي، بل قد يتحول إلى منظومة إقليمية قادرة على التأثير في ملفات الأمن والطاقة والتجارة وسلاسل الإمداد، وصولًا إلى رسم ملامح النظام الإقليمي القادم.

إن السؤال الحقيقي لم يعد: من يقود المنطقة؟

بل أصبح: من يملك مشروعًا للمستقبل؟

وهنا تكمن قوة السعودية.

فالمملكة لم تعد تقدم نفسها باعتبارها دولة تبحث عن النفوذ التقليدي، وإنما باعتبارها دولة تصنع الاستقرار وتبني الشراكات وتستثمر في المستقبل.

ومن يتابع التحركات السعودية خلال الأعوام الأخيرة يلاحظ أنها تتسم بالهدوء والثبات وبعد النظر؛ فهي تفتح قنوات الحوار مع مختلف الأطراف، وتعمل على تخفيف حدة الصراعات، وفي الوقت نفسه تواصل تنفيذ مشروعها التنموي الداخلي دون أن تجعل الأزمات الإقليمية تعطل مسيرتها.

وهذه المقاربة تمنحها مصداقية متزايدة لدى العديد من القوى الإقليمية والدولية.

وقد يكون الأهم من كل ذلك أن المنطقة تدخل اليوم مرحلة لم تعد فيها التحالفات تُبنى على العاطفة أو الأيديولوجيا، وإنما على القدرة على تحقيق الأمن الجماعي والنمو الاقتصادي وحماية المصالح المشتركة.

لهذا فإن الحديث عن إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط لم يعد مجرد عنوان إعلامي، بل أصبح احتمالًا يناقشه أبرز مراكز الدراسات والمجلات السياسية العالمية، مع الإشارة إلى أن شكل هذا الترتيب سيظل مرتبطًا بتطورات الأحداث وقرارات الدول المعنية. (Foreign Policy)

ويبقى الثابت أن المملكة العربية السعودية أصبحت اليوم لاعبًا محوريًا لا يمكن تجاوز دوره في أي معادلة تخص مستقبل المنطقة.

فإذا نجحت هذه الرؤية في التحول من مرحلة التنسيق إلى مرحلة البناء المؤسسي، فقد نشهد ولادة شرق أوسط جديد، لا تحكمه الأزمات المزمنة، بل تقوده الشراكات، وتوازنات القوة، والتنمية المستدامة.

بقلم: مهندس صالح بن سعيد المرزم
3 يوليو 2026

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.