رجل لا يصفق

إلى من لا يهمه الأمر 5

إلى من لا يهمه الأمر

رجل لا يصفق

كل صباح يفتح أحدهم نافذة سيارته، ويلقي علبة عصير أو كوب قهوة أو منديلا، ثم يمضي مطمئنا، كأن مسؤولية ما ألقى انتهت عند حدود نافذة سيارته. يظن أن القمامة اختفت بمجرد أن ابتعد عنها، مع أنها بقيت شاهدة على سلوك صاحبها. المشهد يتكرر عند الإشارات، وفي مواقف الأسواق وعلى الطرق السريعة، وحتى أمام الحدائق التي جاء الناس إليها ليستمتعوا بجمالها. والغريب أن الشخص نفسه يعود إلى منزله، ويغضب إذا وجد ورقة على أرض مجلسه، أو علبة فارغة في فناء بيته. فما الذي يجعل أرض المنزل تستحق الاحترام، وأرض المدينة لا تستحقه؟
تأمل موقفا يتكرر كل يوم. أب يحمل كيسا فارغا بعد أن انتهى أطفاله من تناول الطعام داخل السيارة، فيختار أن يقذفه من النافذة بينما يجلس ابنه في المقعد الخلفي يراقب المشهد. في تلك اللحظة، لم يكن الابن يتعلم كيف يتخلص من كيس فارغ، فقد كان يتعلم كيف ينظر إلى المكان العام.. إما بيتا مشتركا، وإما أرضا لا تعنيه.
وتأمل من يقف أمام جهاز الصراف الآلي لسحب مبلغ أو سداد فاتورة. تظهر له الشاشة خيار طباعة الإيصال أو الاستغناء عنه، فيختار طباعته، ثم يقرأه لثوان ويلقيه في سلة المهملات بجوار الجهاز. يتكرر المشهد مع كل مستخدم حتى تمتلئ السلة، وتتحول إلى كومة من الأوراق التي لم يكن لها حاجة منذ البداية. أي عادة هذه؟ وأي منطق يدفع الإنسان إلى طلب شيء يعرف مسبقا أنه سيتخلص منه بعد لحظات؟ أهي غفلة أم اعتياد لا نفكر فيه، أم سلوك فقد صاحبه القدرة على مراجعة تفاصيله اليومية؟
وتأمل من يخرج من مطعم، ويضع بقايا طعامه فوق الرصيف، مع أن سلة المهملات لا تبعد سوى خطوات. أي رسالة يحملها هذا التصرف؟ أهي العجلة، أم الكسل أم اعتياد الفوضى؟
النظافة ليست حملة موسمية، وليست مهمة عامل البلدية وحده. إنها اختبار يومي للأخلاق، يظهر في تصرف صغير لا يستغرق سوى ثوان. فالإنسان يعرف في الأماكن التي يظن أن أحدا لن يحاسبه فيها. المكان لا يطلب منك معروفا، كل ما يطلبه ألّا تؤذيه. فالورقة التي تلقيها اليوم، والمنديل الذي تقذف به من نافذة سيارتك، والإيصال الذي تطبعه ثم ترميه بعد لحظات، ليست أشياء صغيرة كما نظن. إنها تصنع مع الأيام إنسانا يستهين بالمكان، ومدينة تدفع ثمن هذا الاستهانة كل يوم. فالمدينة مرآة أهلها وما نلقيه على طرقاتها يعود إلينا في صورتها.

ناقد صحفي 

رجل لا يصفق

ناقد صحفي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.