رجل لا يصفق
إلى من لا يهمه الأمر 3

إلى من لا يهمه الأمر 3
يردد دعاة التزويج المبكر مقولة غدت كأنها بديهية: «لقد تزوج آباؤنا وأمهاتنا في سن السادسة عشرة وبنوا المجتمع». حجة تتهاوى أمام النقد العقلي، لأنها تقتطع السياق التاريخي، وتفترض أن الزمن جامد لا يتغير.
كان ابن السادسة عشرة في الماضي يخوض معركة الحياة مبكرا، يحرث الأرض أو يدخل السوق، أو يتعلم حرفة تجعله مستقلا ماديا واجتماعيا، في ظل أسرة ممتدة تشكل شبكة أمان تحمل عن الزوجين الصغيرين تبعات العصر البسيط.
في المقابل، يعيش مراهق اليوم داخل نظام تعليمي ممتد ورعاية والدية كاملة، في مرحلة بناء هوية وتحصيل معرفي ونفسي لم يكتمل. كيف نطلب ممن لا يزال يستأذن للخروج إلى دورة المياه في المدرسة أن يقود بيتا ويدير حياة إنسان آخر؟ الزواج علاقة بين وعيين لا مجرد عقد بين جسدين. والنضج عاطفيا وفكريا نتاج التجارب، لا بطاقة تمنحها السنوات تلقائيا. قيادة الحياة المعاصرة بتعقيداتها وأزماتها تشبه قيادة طائرة نفاثة، بينما أدوات المراهقين لا تتعدى مهارة ركوب دراجة هوائية. عندما يتزوج المرء قبل أن يعرف نفسه، فإنه يختار شريكا لملامح شخصية مؤقتة ستتبدل بعد سنوات، ليولد شخص آخر أكثر نضجا، فيستيقظ الاثنان على كارثة عدم الانسجام.
أما التذرع بخشية الانحراف ورغبة التحصين، فيطرح سؤالا: هل صار الزواج مجرد مصد غريزي لتقييد النزوات؟ من يعجز عن ضبط نفسه قبل الزواج، سيعجز عن قيادة أسرة بعده. اختزال مؤسسة رصينة كالزواج وجعلها علاجا بيولوجيا لمراهق هو جناية بحق المجتمع. الفارق بين الجيلين ليس فارق صلاح وفساد، هو فارق بنية اجتماعية كاملة؛ تلك أمة خلت لها أدواتها، وهذا زمن يتطلب سلاحا فكريا وعاطفيا مختلفا تماما.