“أبو مشاري.. ضحكة الباحة التي لا تغيب”
“أبو مشاري.. ضحكة الباحة التي لا تغيب”
——————–
في الباحة، مدينة الضباب وعشيقة السحاب، وفي مطلع التسعينات الهجرية، وتحديداً بقرية الحاوية، كانت نشأتي وطفولتي بين أحضان والدي رحمه الله، ومع مجموعة من أهلنا قبيلة السمرة.
كانت “الصنادق” هي المسكن ، والحياة بسيطة حدّ الدهشة، لكنها غنية بالناس الطيبين. وكان بيننا ومعنا شخصيات ما زالت راسخة في الذاكرة منذ أيام الطفولة. أحد هذه الشخصيات: محمد بن بنيوس السميري “أبو مشاري” رحمه الله.
كان شخصية ودودة لطيفة، وكنا – أطفالاً وكباراً – نحبه ونحب جلسته وشعره العذب وأبياته الفكاهية. التحق بالعمل في الإمارة مع والدي رحمهما الله، في عهد أمير الباحة آنذاك الأمير سعود بن عبدالرحمن السديري، وكان وكيل الإمارة فيصل بن هزاع العبدلي.
أذكر أن الجميع كان يتحدث عن شدة وكيل الإمارة وصرامة السديري. وأبو مشاري – بطريقته الساخرة المحببة – صاغ ذلك المشهد في بيت ظل محفوراً:
( من خوفنا التحقيق نسرح على الريق
مطيّرا قلبي وكيل الأمارة )
عشنا تلك الحقبة في سعادة غامرة رغم بساطة الحياة وقلة الإمكانات. كانت أحاديث السمر في مجلس الوالد نهاية كل أسبوع ماتعة. كانوا يلعبون البلوت ويتجاذبون الأحاديث، وأبو مشاري يضفي على الجلسة جواً من المرح والسرور. لا أذكر أنني رأيته إلا مبتسماً.
كان “هلّيلاً” للشعر الفكاهي التوثيقي للمشاهد العابرة . أذكر له أبياتاً يصف بها أخي الشقيق، وكان يصغرني بثلاث سنوات. كان شتاء الباحة قارساً جداً، والوالدة – حفظها الله – تلبسه ملابس ثقيلة اتقاءً للبرد، حتى صار يمشي خطوتين ويسقط. وكان معنا آنذاك “نور الذيابي”، لا أدري إن كان مريضاً أو به ما يوجب أن يُغطى بأرتال من البطانيات. فقال أبو مشاري مصوراً المشهد:
( الورع ما عاد يمشي خطوتين
من كثر ما حطّوا عليه من الهدوم
حملٍ يشيله ما يشيلونه ثنين
لو حمّلوا به نور والله ما يقوم )
رحمك الله يا أبا مشاري. كنتَ بلسم المجالس، وضحكة الزمان الجميل. غادرتنا جسداً، لكن أبياتك وبسمتك ستبقى معنا، شاهدة على رجل عاش وديعاً، ومات محبوباً.
الطفل الذي نشأ في الباحة يحبك ويأنس بأبياتك ولطفك ، اليوم يكتبك بدموعه راثيا بعد أكثر من خمسة عقود .
سعود شباب العتيبي


