كُتاب الرأي

✍️ ليست مزاجية.. وليس باردا

✍️ ليست مزاجية.. وليس باردا

قراءة في اختلاف المرأة والرجل

بقلم/د.عبدالإله محمد جدع

✔️ حاول الإنسان منذ القدم
أن يفهم العلاقة بين الأنوثة والذكورة لا بوصفها صراعا على الغلبة، ولكنها نظام بديع من التكامل، حيث تتحاور الحركة مع السكون، والانفعال مع الاتزان، والعاطفة مع العقل.
فالمرأة، في صورتها الرمزية، تشبه فصول الحياة، تتبدل، تحس، تنفعل، وتلتقط ما لا يقال.. أما الرجل، في صورته الرمزية أيضا، يشبه الأرض، يميل إلى الثبات، وإلى امتصاص العواصف، وإلى إخفاء اضطرابه خلف صمت طويل..غير أن هذه الثنائية ليست قانونا صارما، ولا حكما نهائيا على طبيعة المرأة أو الرجل، لكنها محاولة لفهم اختلافين حين يلتقيان، لا كي يتصارعا، ولكن كي يصنعا توازنا أعمق.
✔️ وفي كل بيت، هناك نفس أنثوي يترك أثره في المكان دفئا أو برودة، فالمرأة ليست قلب الأسرة فقط، لكنها كثيرا ما تكون نبض مزاجها العام.. إذا ابتسمت ارتفعت أرواح من حولها، وإذا انطفأت خيم الصمت ولو علت الأصوات.
ومن هنا تأتي حساسية دورها، لا بوصفه عبئا عليها، ولكن بوصفه قوة في يدها. فهي تملك في كثير من الأحيان مفتاح تهدئة البيت حين تعلو الموجة، وتستطيع بحكمتها أن تخفف حدة التوتر والانفعال والنكد، وأن تحفظ للسفينة اتجاهها وسط تقلبات الحياة.. فالبيت لا يحتاج دائما إلى من ينتصر في الخلاف، قدر حاجته إلى من يخفف اشتعال اللحظة، ويحول العتب إلى حوار، والانفعال إلى فهم.
لكن هذا التأثير لا يعني أن المرأة مسؤولة وحدها عن مناخ البيت، ولا أن تقلبها تهمة جاهزة. فهي لا تتبدل عبثا، لكنها تعيش أحيانا إيقاعا داخليا معقدا، تتداخل فيه النفس والجسد والذاكرة والضغط اليومي.. ولذلك لا يجوز اختزالها في كلمة “مزاجية”، فخلف التبدل معنى، وخلف الانفعال احتياج، وخلف الصمت خيبة لم تجد لغتها.
وفي المقابل، لا يكون الرجل صامتا لأنه لا يشعر، ولا ثابتا لأنه خال من العواصف. فكثير من الرجال تربوا على أن المشاعر عبء، وأن البوح ضعف، وأن الرجولة تعني أن ينهار الإنسان من الداخل دون أن يسمع أحد صوت سقوطه.. لذلك، فثبات الرجل ليس برودا، كما أن انفعال المرأة ليس فوضى. قد يكون صمته محاولة للتماسك، وقد تكون عاطفتها محاولة للاتصال.. وحين لا يفهم أحدهما لغة الآخر، تتحول الفروق إلى اتهامات.. هي تراه باردا، وهو يراها متقلبة، بينما الحقيقة أن كليهما يطلب الأمان بطريقة مختلفة.
✔️ في علم النفس الحديث، لا تنجح العلاقات لأنها تلغي الاختلاف بين الطرفين، وإنما لأنها تحوله إلى مساحة فهم، فكل إنسان يحمل داخله جانبا عاطفيا وجانبا عقلانيا، حاجة إلى الاحتواء وقدرة عليه، رغبة في الكلام وحاجة إلى الصمت.. فالمرأة ليست عاطفة فقط، والرجل ليس عقلا فقط، فكلاهما يحمل هشاشة وقوة، خوفا ورغبة في الطمأنينة.فالعلاقة الناضجة لا تقوم على أن يكون الرجل صخرة لا تتكلم، ولا أن تكون المرأة عاصفة لا تهدأ.. لكنها تقوم على وعي متبادل، يصغي فيه الرجل دون أن يشعر أنه مطالب بإنقاذ كل شيء، وتعبّر فيه المرأة دون أن تجعل انفعالها عبئا دائما على من حولها.. وليست مهمة الحب أن يغير أحدنا الآخر حتى يطابقه، ولكن أن يمنح الاختلاف شرعيته.
فالمرأة لا تحتاج من يصلحها، وإنما من يصغي إليها دون حكم. والرجل لا يحتاج من يهزه ليعترف بمشاعره، لكنه في حاجة لمن يطمئنه أن ضعفه لا يسقط رجولته.. وحين تفهم حيوية المرأة دون إدانة، ويفهم صمت الرجل دون سوء ظن، تنشأ علاقة لا تقوم على الشكوى، ولكن على الفهم.. لا على من ينتصر، ولكن على من يحتوي أكثر.
وهكذا، في جدلية الحياة..
هي فصول تتبدل كي تبقى الحياة حية، وهو أرض تثبت كي لا تقتلعها الريح.. وبين موسمها وثباته، لا يولد الصراع بالضرورة، فقد يولد البيت. فليس كل تقلب أنثويا، وليس كل ثبات ذكوريا. داخل كل إنسان فصوله وأرضه. والعلاقة تنجح حين يعرف كل طرف متى يكون موسما، ومتى يكون مأوى.

كاتب رأي

 

 

الدكتور / عبدالإله محمد جدع

أديب وشاعر وكاتب رأي سعودي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.