بين صنعاء وعدن

بين صنعاء وعدن
كيف تحوّلت الأوطان إلى مزارع نفوذ؟!
المأساة الحقيقية ليست في وجود الحرب فقط…
بل في وجود قوى تعيش على استمرارها.
فما يحدث اليوم لم يعد مجرد صراع سياسي عابر، ولا خلافًا على إدارة دولة، بل تحوّل إلى شبكة معقدة من المصالح والنفوذ والارتباطات، تتغذى على الانهيار، وتزداد قوة كلما ازداد الناس فقرًا وضعفًا وتشتتًا.
في صنعاء، لم تعد السلطة مجرد حكومة تدير شؤون الناس، بل تحولت إلى منظومة مغلقة قائمة على “اقتصاد الحرب”؛
اقتصاد لا يعيش إلا بالأزمات، ولا يستمر إلا ببقاء المجتمع تحت الضغط والخوف والحاجة.
هناك، تُستخدم العقيدة والتعبئة والشعارات الكبرى كغطاء لبناء سلطة مركزية شديدة القبضة، تُعيد تشكيل المجتمع وفق مشروع الجماعة، لا وفق مفهوم الدولة الحديثة.
الجوع لم يعد نتيجة جانبية للحرب… بل أصبح أداة إدارة.
والضرائب لم تعد لتنمية الاقتصاد… بل لتمويل النفوذ.
والحشد لم يعد دفاعًا عن الوطن… بل ضمانًا لاستمرار السيطرة.
كل شيء يُدار بعقلية “الأمن أولًا”، حتى لو انهار التعليم، وضاعت العملة، وتفككت الطبقة الوسطى، وهربت الكفاءات.
وفي المقابل، يبدو مشهد عدن مختلفًا في الشكل… لكنه يلتقي مع صنعاء في النتيجة النهائية.
في عدن، لا توجد قبضة مركزية واحدة، بل تعدد قوى ومكونات ومراكز نفوذ، لكل طرف مشروعه وخطابه ورعاته وحساباته، بينما المواطن يضيع بين الشعارات المتصارعة.
خطابات مرتفعة عن التحرير والسيادة والقضية…
لكن على الأرض:
كهرباء منهارة، عملة تتآكل، مؤسسات ضعيفة، فساد متشعب، وصراع نفوذ لا ينتهي.
المشكلة الأخطر أن بعض القوى في عدن وصنعاء اكتشفت أن “الأزمة” نفسها أصبحت مصدر قوة لها.
فالاستقرار الحقيقي يعني نهاية الامتيازات، ونهاية التمويلات، ونهاية اقتصاد الحرب، ونهاية الحاجة إلى المليشيات والخطابات التعبوية.
ولهذا كلما ظهرت فرصة لبناء نموذج مستقر أو إدارة حقيقية أو تمكين اقتصادي مستقل… تبدأ حروب التشويه والإرباك وإغراق الناس بالخلافات الجانبية.
وفي وسط هذا المشهد، ظلت حضرموت تُعامل كغنيمة استراتيجية أكثر من كونها وطنًا له شعب وهوية وحق طبيعي في إدارة أرضه وثرواته.
الجميع يريد حضرموت…
لكن قليلًا فقط من يريد لحضرموت أن تنهض فعلًا.
يريدون نفطها…
موانئها…
موقعها البحري…
ثقلها الاقتصادي…
لكنهم لا يريدون قرارها المستقل، لأن أي نهوض حضرمي حقيقي سيقلب موازين النفوذ في المنطقة بأكملها.
ولهذا يتم إغراق المشهد الحضرمي عمدًا بالخلافات الصغيرة، والوجوه المستهلكة، والمشاريع الضبابية، حتى يبقى الناس في حالة إنهاك دائم.
ما يحدث ليس صدفة…
بل إدارة طويلة المدى للفوضى.
فصنعاء تريد بقاء المركزية القديمة بثوب جديد،
وبعض قوى عدن تريد وراثة النفوذ لا بناء الدولة،
أما المواطن البسيط فهو الوقود الدائم لهذا الصراع.
لكن التاريخ يثبت دائمًا أن الشعوب التي تدرك حقيقة ما يجري حولها، وتتحرك بوعي وتنظيم وسلمية، تستطيع كسر أخطر المشاريع مهما طال الزمن.
وحضرموت اليوم أمام مفترق تاريخي:
إما أن تبقى ورقة في مشاريع الآخرين…
أو تتحول إلى مشروع حضاري واقتصادي وسياسي يفرض احترامه على الجميع.
مهندس / صالح بن سعيد المرزم
6 يونيو 2026

