إذا زعلان اشرب من البحر

إذا زعلان اشرب من البحر
مشعل الحارثي
اعتقد أن بعض المقولات او الأمثال أصبحت محكومة بزمانها وليست صالحة لكل زمان او ربما تعبر عن جزئية منها فقط ، وقس على ذلك الكثير منها ، ولذلك علينا مراجعة وامعان النظر في هذه المقولات و الأمثال قبل أن نستشهد بها في أحاديثنا ،وعلى سبيل المثال المقولة التي تحمل عنوان هذا المقال إذا زعلان اشرب من البحر أو بالصيغة الأخرى اللي ما يرضي يشرب من البحر ، والزعل أو عدم الرضا هما وجهان لعملة واحدة ويقال هذا المثل عندما يتحكم الانسان برأيه دون مبالاة بمن حوله واهتمام بالآخرين من أفراد أو جماعات فهو يصدر أمرا وعلى الجميع تنفيذه ،والذي لا يرضي يشرب من ماء البحر، وهذا يعني انه ليس هناك مناقشة لهذا الأمر وعلي الجميع التنفيذ و الرضا بالوضع القائم ، ودلالة شرب “ماء البحر” تكمن هنا في كونه مالحاً وغير صالح للشرب، مما يعني أن غضب الشخص لن يجلب له سوى المزيد من التعب والأذى لنفسه،
وكما هو معلوم بأن ماء البحر غير صالح للشرب ولا للمعيشة، و أن الإنسان إذا شرب من ماء البحر، فإنه سيتم امتصاص الملح في الدم الذي سيصبح مالحا بالطبع، وسيتعين على الكلى إزالة ذلك الملح، وحتى تقوم بذلك ستحتاج إلى المزيد من الماء بمعدل كوب من الماء العذب مقابل كل كوب من الماء المالح.
ويستثنى من ذلك بعض الثدييات البحرية (مثل الحيتان والفقمات) والطيور البحرية (مثل النوارس وطيور القطرس) في قدرتها على شرب مياه البحر، حيث تمتلك الثدييات البحرية كلى فائقة الكفاءة، وللطيور البحرية غدة خاصة في أنوفها تزيل الملح من الدم.
وبحسب بيانات الأمم المتحدة، فإن أكثر من مليار شخص في العالم يعيشون في مناطق تعاني من نقص المياه ، وبحلول عام 2025، سيرتفع هذا الرقم إلى( 1.8) مليار ، وأن هناك(25) دولة تعاني أكثر من غيرها من شح الموارد المائية، من بينها( 15) دولة عربية لن تجد أمامها إلا ماء البحر لتحليته واستهلاكه .
ولذلك أصبحت تقنية تحلية مياه البحر التي تهدف إلى إزالة الأملاح والمعادن الزائدة من المياه المالحة لجعلها صالحة للاستخدام البشري، الزراعي، والصناعي سواء باستخدام طريقة التناضح العكسي، أو التقطير، أو باستخدام الطاقة الشمسية ، هي الركيزة الأساسية لتوفير المياه العذبة، خاصة في المناطق الساحلية التي تعاني من شح الموارد المائية.
وتتصدر المملكة العربية السعودية دول العالم في إنتاج المياه المحلاة، حيث تجاوز إنتاجها ملياري متر مكعب سنوياً، وتعتمد عليها بشكل رئيسي لتغطية احتياجات المدن والمناطق الحضرية ، كما يمثل إنتاج المملكة نحو (18%) من إجمالي الإنتاج العالمي ، وعبر أكثر من( 30) محطة منتشرة على سواحل البحر الأحمر والخليج العربي لتوصيل المياه العذبة لمختلف المناطق.
وخلاصة القول أن شرب ماء البحر” لم يعد نوعا من التحدي اللفظي الفضفاض وعدم الاهتمام والاكتراث الذي نتحدى به الآخرين وإنما هو حقيقة بعد أن أصبحنا جميعآ نشرب من ماء البحر، وعلينا أن نتعامل مع هذه الحقيقة بجدية كاملة، وإلا سنموت ظمأ.
كاتب رأي

