وحشية النظام الأسدي

وحشية النظام الأسدي
حين صارت الطفولة جريمة والكرامة سلعة للكسر
———————
احتفل الشعب السوري بفجرٍ لم يكن سهلاً ولا رخيصاً. فجرٌ كُتب بدماء آلاف الشهداء، بصبر أمهاتٍ لم تعرف النوم منذ سنوات، بأطفالٍ كبروا قبل أوانهم في خيام النزوح وأقبية الاعتقال. لم يكن احتفالاً بانتصار فصيل على آخر، ولا بتبدل خريطة نفوذ، بل كان شهادة دفن لمشهدٍ دام أكثر من خمسة عقود ، تحولت فيه مؤسسات الدولة إلى معامل للوحشية، وأجهزة الأمن إلى مسالخ للإنسانية.
في صدر قائمة العار يأتي ملطخا بالدم اسم عاطف نجيب ، رئيس الفرع السياسي في درعا ، الرجل الذي لم يجد في اعتقال الأطفال ما يخدش ضميره ولا يوقظ فيه بقايا إنسان.
أطفالٌ لم يتجاوزوا الثانية عشرة كتبوا على جدران مدرستهم كلمات عابرة، فكانت جريمتهم كافية لاختطافهم من أحضان أمهاتهم، وسلب طفولتهم، وإدخالهم إلى أماكن لا يعرف من يدخلها كيف سيخرج، حتى وإن خرج !!
هناك مُورس معهم ما لا يمكن تصوره. نُزعت أظافرهم، وتركت على أجسادهم الصغيرة آثاراً لا تمحوها السنون ولا تطيبها الاعتذارات. لم يكن ينتقم من “مجرمين”، بل كان يرسل رسالة رعب لكل بيت في سوريا: طفلك ليس آمناً، وبراءته ليست حصناً، وضحكتك في بيتك قد تكون سبب اعتقالك.
ومعه يقف ( أمجد يوسف وفادي صقر) اسمان ارتبطا بمقاطع فيديوهات هزّت العالم وفضحت ما كان يجري خلف الجدران المغلقة. لم تكن مجرد تسريبات عابرة، بل كانت اعترافات مصوّرة بجريمة ضد الإنسانية.
ضحكٌ على الألم، استهزاءٌ بالجثث ، تعذيبٌ يُمارس كهواية وكأن الضحية ليست إنساناً له أمًا تبكيه، وأبًا ينتظر عودته، وأخوةٍ يحفظون ملامحه وينتظرون صوته.
هذه المقاطع لم تكن تفضح الأفراد فقط، بل فضحت منظومة كاملة قامت على نزع الإنسان من الإنسان، وتحويله إلى رقم في سجل الموتى أو المفقودين.
هذه ليست حوادث فردية ولا “تجاوزات أمنية” كما يحلو للبعض أن يخفف من وقعها ويغسل بها يديه. هذه سياسة دولة، منهجٌ قام على ترويع الشعب بالخوف، وإخضاعه بكسر الكرامة قبل كسر العظام.
حين يُعتقل الطفل، فاعلم أن النظام أعلن الحرب على المستقبل. وحين يُعذّب الشيخ، فاعلم أنه ينتقم من الذاكرة التي ترفض النسيان. وحين تُقصف الأحياء الآمنة بالبراميل والكيماوي، فاعلم أنه لا يرى في الناس إلا أرقاماً في سجل القمع، وأجساداً تصلح للتخويف والمساومة.
لقد تحولت السجون إلى مقابر للأحياء، وصارت أقبية الفروع الأمنية مسارح للتعذيب المنهجي. آلاف السوريين دخلوا هذه الأماكن ولم يعودوا، وآلاف غيرهم خرجوا بأجساد مكسورة ونفوس لا تعرف كيف تعود للحياة.
الهدف لم يكن جمع المعلومات، فالتعذيب لم يكن وسيلة للتحقيق بل غاية بحد ذاته. كانوا يريدون كسر الإنسان من الداخل، أن يجعلوه يكفر بنفسه وبأهله وبقضيته ! أن يجعلوه يرى في الصمت نجاة وفي الخضوع أماناً.
واليوم، ونحن نكتب هذه السطور بعد انكسار قبضة النظام، يخاطب هذا المقال الضمير العربي والإنساني قبل أي جهة أخرى.
يا ضمير العرب، كيف نامت عيونكم ودماء أطفال درعا لم تجف بعد؟ كيف سكتت منابركم أمام أقبية صيدنايا وسيارات الموت التي نقلت الجث بالجملة؟ أليست أخوة الدم والعروبة تقتضي أن يكون وجع الشام وجعكم ؟! وأن يكون انتصارها انتصاركم، وأن يكون دمها دمكم؟
لقد طال صمت البعض حتى صار تواطؤاً، وطال تردد البعض حتى صار خذلاناً. واليوم، بعد أن تكشفت الحقائق وخرجت الشهادات من أفواه الناجين، لم يعد مقبولاً أن نقف على الحياد. فالحياد في وجه الجلاد انحياز له.
ويا ضمير الإنسانية، أي قانون، وأي أخلاق، وأي دين يقبل أن تُعامل الطفولة بهذه الوحشية؟ أن تُسحق الكرامة تحت بساطير الجلادين، ثم يُطلب من الضحية أن تنسى وتسامح دون محاسبة؟
العالم الذي ضج لأجل حيوانٍ عُذب، وسكت أمام طفلٍ انتزعت أظافره، هو عالم مختل الموازين. والمنظمات التي تتحدث عن حقوق الإنسان ثم تصمت أمام هذه الجرائم، تفقد معناها وقيمتها.
العدالة ليست رفاهية، ولا انتقاماً، بل هي شرط لبداية جديدة. لا يمكن بناء سوريا الغد على ركام الصمت والإنكار. دماء الشهداء، وصراخ المعتقلين، ودموع الأمهات، كلها تطالب بمحاسبة لا تستثني أحداً. فمن مارس التعذيب، ومن أمر به، ومن سكت عليه وهو قادر، جميعهم شركاء في الجريمة.
لا يكفي أن نسميهم مجرمين، ولا يكفي أن نلعن أفعالهم في المجالس. لا بد من ملاحقتهم قانونياً وأخلاقياً، لا بد من وضع أسمائهم في سجل العار العالمي، حتى لا يجدوا ملاذاً ولا مأوى، وحتى يعلم كل جلاد قادم أن يد العدالة وإن تأخرت فإنها لا تنسى ، إعدامهم ليس بكافيا هؤلاء لابد أن يموتوا الف مرة قبل الموت !
لابد أن يشربوا بالكأس التي سقوا بها السوريين ، هؤلاء الأجدر بهم أن يعذبوا عذابًا يتمنون الموت منه ولا يموتون !
الشعب السوري دفع الثمن الأعلى من دمه وأرضه وكرامته. لكن مسؤولية كشف الحقيقة ومحاسبة المجرمين مسؤولية الجميع. التاريخ لا يرحم من يتفرج، والذاكرة لا تنسى من شارك بالصمت أو بالتبرير أو بالتمييع.
وحشية النظام الأسدي لم تكن مجرد فصل مظلم في تاريخ سوريا، بل كانت امتحاناً للضمير الإنساني. فمن نجح في هذا الامتحان بوقوفه مع المظلوم، فقد نجح لنفسه. ومن سقط فيه، فليعلم أن صوت المظلومين سيبقى أعلى من كل صمت، وأن الحق لا يموت وإن طال ليله.
اليوم سوريا تتنفس بحذر، وتعيد بناء ما تهدم. لكن البناء الحقي لن يبدأ إلا إذا دُفنت هذه المرحلة بكل رموزها، وإذا أُعيد الاعتبار للإنسان السوري الذي أُهين على أرضه.
ولن يكون هناك اعتبار حقي إلا بمحاسبة عادلة، واعتذار لا يكتبه المنتصر بل يفرضه العدل، وذاكرة لا تُمحى حتى لا تعود الوحشية مرة أخرى بلباس جديد.
همسة من الأفق البعيد :
” إِذا الشَّعْبُ يَوْمَاً أَرَادَ الحَيَاةَفَلا بُدَّ أَنْ يَسْتَجيبَ القَدَرْ
وَلا بُدَّ لِلَّيْلِ أَنْ يَنْجَلِي وَلا بُدَّ للقَيْدِ أَنْ يَنْكَسِرْ وَمَنْ لَمْ يُعَانِقْهُ شَوْقُ الحَيَاةِتَبَخَّرَ فِي جَوِّهَا وَانْدَثَرْ ” .
سعود شباب العتيبي



