كُتاب الرأي

*حرب المسيرات / 2 .*

*حرب المسيرات / 2 .*

من الصاروخ إلى شعاع الليزر… معادلة جديدة للدفاع الجوي .

رؤية تحليلية للكاتب.

الاثنين الموافق (10) أغسطس 2026م .

كتبه؛ اللواء البحري الركن المتقاعد / عبدالله بن سعيد الغامدي الملحق العسكري السعودي السابق لدى جمهورية باكستان الإسلامية.

*{ عندما تصبح كلفة إسقاط السلاح أقل من كلفة إنتاجه واستخدامه تبدأ معادلات القوة في التغير . }*

أدخلت الطائرات المسيرة الحرب الحديثة مرحلة مختلفة بعد أن جمعت بين انخفاض الكلفة نسبيا وسهولة الإنتاج والقدرة على الاستطلاع والهجوم والوصول إلى أهداف بعيدة. وقد تناولت في مقال «حرب المسيرات» التحول الذي أحدثته هذه المنظومات وما تكشفه الحرب الروسية الأوكرانية والحروب والصراعات الجارية من دروس عسكرية متسارعة.

*وإذا كان المقال الأول قد تناول كيف غيرت المسيرات طبيعة الهجوم والاستطلاع وميدان القتال فإن هذه القراءة تنتقل إلى الوجه الآخر من المعادلة: كيف تتطور منظومات الدفاع لمواجهة هذا التهديد المتسارع؟*

فالمعادلة التي واجهت الدفاعات الجوية خلال السنوات الماضية كانت عسكرية واقتصادية في الوقت نفسه . يستطيع صاروخ دفاع جوي متطور إسقاط مسيرة منخفضة الكلفة لكن تكرار إطلاق صواريخ مرتفعة الثمن ضد أعداد كبيرة من المسيرات قد يحول النجاح التكتيكي في الاعتراض إلى استنزاف اقتصادي وعملياتي للمدافع.

*ولهذا تغير السؤال العسكري:*

*{ ليس المهم أن تستطيع إسقاط المسيرة فقط بل بأي وسيلة وبأي كلفة وكم مرة تستطيع تكرار الاعتراض. }*

وتتجه الجيوش ومراكز البحوث والصناعات الدفاعية إلى تطوير منظومات مكافحة المسيرات تجمع الرادارات والمستشعرات والحرب الإلكترونية والمدافع والمسيرات الاعتراضية والصواريخ وأسلحة الطاقة الموجهة والذكاء الاصطناعي ضمن شبكة دفاعية متعددة الطبقات.

ويأتي الليزر عالي الطاقة في مقدمة التقنيات التي تشهد تطورا متسارعا. فبدلا من إطلاق صاروخ في كل اشتباك توجه المنظومة شعاعا مركزا من الطاقة إلى جزء حساس من المسيرة حتى يتسبب في تعطيله أو تدميره. ومع توفر الطاقة والقدرة على إدارة الحرارة تستطيع المنظومة تنفيذ اعتراضات متكررة دون استهلاك صاروخ جديد في كل مرة.

وقد تجاوز الليزر العسكري حدود المختبرات إلى الاختبارات الميدانية والتشغيل العسكري. فالجيش الأمريكي طور منظومة للدفاع الجوي القصير المدى تحمل ليزرا عالي الطاقة من فئة { 50 كيلوواط } على مركبة مدرعة وانتقلت نماذج منها إلى وحدات الدفاع الجوي واستخدمت في تدريبات بالذخيرة الحية ونشرت لأغراض عملياتية.

وفي بريطانيا أثبتت منظومة «دراغون فاير» قدرتها خلال الاختبارات على إسقاط مسيرات عالية السرعة تصل سرعتها إلى نحو { 650 كيلومترا في الساعة }. وأعلنت وزارة الدفاع البريطانية أن أول مدمرة من طراز { 45 } في البحرية الملكية ستجهز بالمنظومة ابتداء من عام { 2027م }.

وتظهر الدلالة الأهم عند النظر إلى اقتصاديات الاعتراض. فبحسب البيانات الرسمية البريطانية تبلغ كلفة تشغيل ( دراغون فاير ) نحو { 10 جنيهات إسترلينية للإطلاق } في مقابل صواريخ اعتراضية تقليدية قد تكلف مئات الآلاف من الجنيهات الإسترلينية للإطلاق الواحد.

وهنا تتغير إحدى أهم معادلات مكافحة المسيرات. فالسلاح الذي منح المهاجم ميزة الكلفة المنخفضة نسبيا يجد أمامه وسيلة دفاعية تسعى إلى خفض كلفة الاعتراض بدرجة كبيرة مع المحافظة على الصواريخ الاعتراضية مرتفعة الكلفة للتهديدات التي تستوجب استخدامها.

*{ هنا تبدأ معركة الكلفة بين المسيرة وشعاع الليزر. }*

*لكن الليزر ليس الحل الوحيد.*

فإلى جانبه تتطور أسلحة الموجات الكهرومغناطيسية عالية القدرة التي تستهدف المكونات الإلكترونية للمسيرات بدلا من تدميرها بالطريقة التقليدية. وتكتسب هذه التقنية أهمية خاصة أمام هجمات الأسراب لأن بعض منظوماتها يستطيع التأثير في عدة أهداف داخل نطاق التغطية.

وقد انتقلت هذه التقنيات من التجارب العلمية إلى الاختبارات العسكرية الميدانية. ففي بريطانيا أثبت نموذج لسلاح يعتمد موجات الترددات الراديوية عالية القدرة قدرته على التعامل مع أسراب من المسيرات ضمن تجارب عسكرية واسعة شملت تتبع أكثر من { 100 مسيرة } والاشتباك معها وتحييدها عبر سلسلة الاختبارات كما نجحت القوات البريطانية في مواجهة سربين من المسيرات خلال اشتباك واحد.

وتزداد أهمية هذه التقنية عند إدخال عامل الكلفة في الحساب. فبحسب البيانات الرسمية البريطانية تقدر كلفة استخدام المنظومة بنحو { 10 بنسات للإطلاق } ويبلغ مداها المعلن حاليا نحو { كيلومتر واحد } مع قدرتها على تحييد عدة مسيرات في وقت واحد.

وفي تطور أحدث أعلنت شركة لوكهيد مارتن في يوليو 2026 عن منظومة
( مورفيوس إكس روتور ) وهي مسيرة اعتراضية تطلق من الأرض وتحمل سلاحا يعتمد موجات الميكروويف عالية القدرة لمواجهة أسراب المسيرات. وتقول الشركة إن المنظومة تستطيع تحييد أكثر من { 50 مسيرة } في طلعة واحدة ثم استعادتها وإعادة استخدامها ميدانيا كما أجريت لها اختبارات طيران واعتراض وفاعلية في عدة مواقع داخل الولايات المتحدة ويجري تسريع إنتاج نماذجها الأولية.

ويكتسب هذا التطور دلالة إضافية مع إعلان القوات الجوية الأمريكية في أوروبا وأفريقيا استخدام منظومات ليزر مدمجة لمكافحة المسيرات في مواقع متعددة ضمن مسرح عملياتها وهو مؤشر مهم على انتقال أسلحة الطاقة الموجهة تدريجيا من الاختبارات والتجارب إلى الاستخدام العملياتي.

وتكمن الدلالة العسكرية هنا في أن الهدف لم يعد إسقاط المسيرة فقط وإنما امتلاك وسيلة تستطيع مواجهة العدد قبل أن يتحول العدد نفسه إلى سلاح.

*{ الأسراب قد تجعل كثافة الهجوم جزءا من السلاح نفسه. }*

*فالخطر المستقبلي قد لا يأتي من مسيرة واحدة وإنما من عشرات أو ربما مئات المسيرات التي تقترب من اتجاهات وارتفاعات مختلفة وفي توقيت متقارب. وعندها تتحول المشكلة من إسقاط هدف إلى اكتشاف عدد كبير من الأهداف وتصنيفها وتتبعها وتحديد درجة خطورتها وتوزيع وسائل الاعتراض عليها خلال ثوان معدودة.*

وتفرض هذه البيئة تحديا يعرف بتشبع الدفاعات. فحتى منظومة دفاعية متقدمة يمكن الضغط عليها إذا تجاوز عدد الأهداف في اللحظة الواحدة قدرتها على الاكتشاف والتتبع والاشتباك. ومن هنا تصبح سعة المنظومة وسرعة إعادة الاشتباك عوامل لا تقل أهمية عن مدى السلاح أو قوته.

وهنا يدخل الذكاء الاصطناعي إلى قلب منظومة الدفاع الجوي. فالبرمجيات تستطيع المساعدة في دمج المعلومات الواردة من الرادارات والمستشعرات البصرية والحرارية وتصنيف الأهداف وترتيبها بحسب درجة الخطورة واقتراح وسيلة الاعتراض الأنسب.

وقد تكون الثواني الفاصلة بين الاكتشاف والقرار أكثر أهمية من الفارق بين بعض الأسلحة.

وتظل الحرب الإلكترونية إحدى وسائل مكافحة المسيرات المهمة والأقل كلفة نسبيا عندما تكون ظروف استخدامها مناسبة. فالتشويش على وصلة القيادة أو أنظمة الملاحة أو الاتصالات قد يمنع المسيرة من الوصول إلى هدفها دون الحاجة إلى تدميرها.

لكن المسيرات تتكيف بدورها. فقد اتسع في ميادين القتال استخدام مسيرات أكثر استقلالية في الملاحة وتعتمد بدرجات متزايدة على معالجة الصور والرؤية الآلية كما ظهرت المسيرات المرتبطة بالألياف البصرية التي يصعب التأثير عليها بوسائل التشويش اللاسلكي التقليدية بالطريقة نفسها.

وبذلك تنتقل المنافسة تدريجيا من التشويش على الاتصال إلى مواجهة أكثر تعقيدا بين الأنظمة الذكية نفسها.

كما برزت المسيرات الاعتراضية بوصفها اتجاها متسارعا في مكافحة المسيرات الهجومية بما يضيف طبقة جديدة بين الحرب الإلكترونية والمدافع والصواريخ والطاقة الموجهة .

*{ المسيرة أصبحت تطارد المسيرة. }*

ومع ذلك فإن الليزر والموجات الكهرومغناطيسية والحرب الإلكترونية والمسيرات الاعتراضية لن تلغي الصاروخ أو المدفع. فالليزر يحتاج إلى خط رؤية مناسب ويتأثر بدرجات متفاوتة بالغبار والدخان والضباب والرطوبة والاضطرابات الجوية كما يحتاج إلى طاقة وإدارة فعالة للحرارة. والحرب الإلكترونية قد تفقد جزءا من فاعليتها أمام مسيرة مستقلة أو مرتبطة بالألياف البصرية بينما تظل لكل وسيلة أخرى حدودها المرتبطة بالمدى وطبيعة الهدف والبيئة التشغيلية.

ولهذا تتجه مكافحة المسيرات نحو *{ الدفاع متعدد الطبقات }.*

تكتشف المستشعرات التهديد ثم تصنفه منظومة القيادة وتحدد خطورته وبعد ذلك تختار وسيلة المواجهة الأكثر ملاءمة. فقد يكون التشويش كافيا ضد هدف وقد تكون المسيرة الاعتراضية أنسب ضد آخر وقد يستخدم الليزر أو المدفع ضد هدف قريب بينما يبقى الصاروخ ضروريا أمام تهديد أبعد أو أسرع أو أكثر خطورة.

*{ السلاح المناسب للهدف المناسب وبالكلفة المناسبة. }*

وتتضاعف أهمية هذه القاعدة في البيئة البحرية. فالسفينة الحربية قد تواجه مسيرات جوية وزوارق سطحية غير مأهولة وتهديدات قادمة من اتجاهات متعددة وربما من تحت سطح البحر. ولذلك فإن دمج الرادار والمستشعرات والحرب الإلكترونية والمدافع والصواريخ والطاقة الموجهة والأنظمة غير المأهولة داخل شبكة دفاعية واحدة يمثل اتجاها مهما في تطور الدفاع البحري.

وتحظى هذه التحولات بأهمية بالغة للمملكة العربية السعودية في إطار التطوير المستمر لقدراتها الدفاعية وحماية أراضيها ومدنها ومنشآتها الحيوية ومرافق الطاقة والمطارات والموانئ والممرات البحرية ومراكز القيادة والاتصالات مع ما يمثله توطين الصناعات الدفاعية والبحث العلمي والتقنيات المتقدمة وتنمية الكفاءات الوطنية من رافد مهم لبناء القدرة الدفاعية للمستقبل.

ولا تقف المنافسة عند وسائل الاعتراض. فكل تقدم في الدفاع سيدفع مصممي المسيرات إلى زيادة السرعة والمناورة وتقليل البصمة وتعزيز الاستقلالية واستخدام الذكاء الاصطناعي والهجوم المتزامن من اتجاهات متعددة ومحاولة إغراق الدفاعات بأعداد أكبر من الأهداف.

ومن هنا يمكن وصف هذا السباق بأنه *{ حرب المرايا }.*

كل تقنية ترى أمامها تقنية مضادة وكل وسيلة دفاع تدفع إلى ابتكار وسيلة جديدة لتجاوزها.

*التقدير الاستراتيجي.*

وتدل مجمل المؤشرات الحالية على أن مكافحة المسيرات أصبحت ميدانا عسكريا وتقنيا قائما بذاته وأن التحول الأعمق قد يكون إعادة تشكيل مفهوم الدفاع الجوي نفسه. فالتفوق لن يقاس بعدد الصواريخ أو المسيرات أو أجهزة الليزر منفردة وإنما بقدرة الدولة على دمج المستشعرات ومراكز القيادة ووسائل الاعتراض داخل شبكة واحدة وتقليص الزمن بين اكتشاف التهديد وفهمه واتخاذ القرار بشأنه.

*{ سرعة القرار أصبحت جزءا من قوة السلاح. }*

ففي مواجهة أعداد كبيرة من الأهداف لن تكون المسألة في امتلاك وسيلة قادرة على إسقاط المسيرة فقط وإنما في قدرة الشبكة على معرفة أي هدف يجب التعامل معه أولا وأي سلاح يستخدم ضده وكيف تمنع استنزاف وسائل الاعتراض الأعلى كلفة في أهداف يمكن مواجهتها بوسائل أقل كلفة.

ولهذا تصبح معادلة الاقتصاد العسكري جزءا مباشرا من التخطيط العملياتي. فالمهاجم يسعى إلى فرض كلفة أكبر على المدافع من خلال إنتاج أعداد كبيرة من المسيرات الرخيصة نسبيا بينما يسعى المدافع إلى خفض كلفة الاعتراض والمحافظة على الأسلحة الأعلى كلفة للتهديدات التي تستوجب استخدامها.

وهنا قد يتغير مفهوم المخزون العسكري نفسه. ففي منظومات الدفاع التقليدية يرتبط استمرار القتال بدرجة كبيرة بعدد الذخائر والصواريخ المتاحة وسرعة تعويضها. أما دخول أسلحة الطاقة الموجهة فيضيف عاملا جديدا يتمثل في القدرة على إنتاج الطاقة وإدارة الحرارة والمحافظة على جاهزية المستشعرات والشبكات الإلكترونية.

*{ الطاقة قد تصبح جزءا من الذخيرة. }*

وهذه دلالة استراتيجية تتجاوز الليزر إلى تصميم القواعد والسفن ومنظومات الدفاع المستقبلية لأن القدرة الكهربائية التي تستطيع المنصة إنتاجها وتخزينها وتوزيعها قد تؤثر في عدد الاشتباكات التي تستطيع تنفيذها باستخدام أسلحة الطاقة الموجهة وفي قدرتها على الاستمرار في القتال.

كما ستتغير طبيعة المنافسة الصناعية. فالسباق لن يكون عسكريا فقط وإنما علميا وتقنيا وصناعيا بين من يستطيع تطوير المستشعرات والبرمجيات والذكاء الاصطناعي والإلكترونيات ومصادر الطاقة والأنظمة غير المأهولة وتحويل الابتكار من المختبر إلى الميدان خلال زمن أقصر.

ولا يعني ذلك تراجع الدور البشري في الحرب. فالإنسان سيبقى في قلب التخطيط والقيادة وتحديد الأهداف وقواعد الاشتباك والمسؤولية عن استخدام القوة بينما تتوسع قدرة الآلة على جمع المعلومات وتحليلها وتنفيذ بعض المهام بسرعات تتجاوز قدرة الإنسان على التعامل المباشر معها.

وكلما ازدادت سرعة الآلة أصبح المطلوب من منظومات القيادة الجمع بين سرعة القرار ودقته وبين السيطرة البشرية والضوابط العملياتية والقانونية التي تحكم استخدام القوة.

ومن مجموع هذه المؤشرات يمكن استنتاج أن مستقبل مكافحة المسيرات لن تحسمه منظومة واحدة مهما بلغت قدرتها بل شبكة دفاعية متكاملة تجمع وسائل الكشف والقيادة والحرب الإلكترونية والطاقة الموجهة والمدافع والصواريخ والأنظمة غير المأهولة وتختار لكل تهديد وسيلة المواجهة الأنسب في الوقت المناسب وبالكلفة المناسبة.

وتدل طبيعة هذا السباق المتسارع على أن معركة المستقبل لن تكون بين المسيرة والليزر وحدهما.

*إنها مواجهة بين شبكتين.*

*شبكة هجومية تحاول أن ترى وتخدع وتخترق وتصل.*

*وشبكة دفاعية تحاول أن تكتشف قبلها وتفهم أسرع منها وتقرر في الزمن المناسب وتختار وسيلة الاعتراض الأكثر فاعلية والأقل كلفة.*

*{ ومن يربح معادلة الرؤية والقرار والطاقة والكلفة قد يملك إحدى أهم مفاتيح التفوق في حروب المستقبل } .*

كاتب رأي 

 

 

اللواء عبدالله بن سعيد الغامدي

أديب سعودي وكاتب رأي وملحق عسكري سابق

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.