*الحرب التي تغير شكلها …*

*الحرب التي تغير شكلها …*
*رؤية تحليلية .*
*الثلاثاء الموافق ( 1 ) سبتمبر ( 2026 )م .*
كتبه؛ اللواء البحري الركن المتقاعد / عبدالله بن سعيد الغامدي
دبلوماسي سابق وخبير في الدراسات الاستراتيجية .
*{ تتغير الحروب عندما لا يعود السؤال من يضرب أكثر بل من يستطيع أن يبقي طرقه مفتوحة وموارده متدفقة وقدرته على الاستمرار أطول . }*
تدل مجمل المؤشرات الحالية على أن الحرب بين الولايات المتحدة والنظام الإيراني تدخل مرحلة مختلفة عما عرفته منذ اندلاعها في ( 28 ) فبراير الماضي. فالمشهد لم يعد يقاس بعدد الغارات ولا بحجم الصواريخ التي تطلق في الرد عليها بقدر ما أصبح يقاس بمن يستطيع التحكم في المسارات التي تسمح للطرف الآخر بالاستمرار في الحرب .
ولهذا تبدو الضربة الأمريكية الأخيرة على جزيرة لارك صغيرة عسكريا وكبيرة استراتيجيا. فالهدف المعلن كان منصتي إطلاق قالت واشنطن إنهما ارتبطتا بتهديد الملاحة وزرع الألغام في مضيق هرمز لكن الجغرافيا تقول أكثر من حجم الضربة. لارك تقع عند واحدة من أكثر النقاط حساسية في تجارة الطاقة العالمية وقربها تمتد قشم بما تمثله من عمق عسكري بينما تقع خرج بعيدا إلى الشمال الغربي حاملة ثقلا مختلفا تماما باعتبارها الشريان الرئيس لصادرات النفط الإيرانية .
وبذلك تتشكل أمام الحرب معادلة تتجاوز الجزر نفسها؛ قدرات عسكرية تتمركز حول هرمز وملاحة دولية تحاول واشنطن إبقاءها مفتوحة واقتصاد إيراني يحتاج إلى الطريق البحري ذاته الذي يستخدمه النظام أداة للضغط. والانتقال بين هذه المستويات قد يكون أهم من الانتقال بين الأهداف الجغرافية .
واشنطن تبدو وكأنها تختبر نموذجا أقل كلفة من العودة إلى حملة جوية مفتوحة؛ حصار بحري وعقوبات مالية وضربات محدودة كلما ظهرت قدرة إيرانية تهدد حركة السفن. فإذا استمر هذا النموذج فلن يكون الهدف احتلال هرمز ولا السيطرة التقليدية على شواطئه بل منع النظام الإيراني من تحويل موقعه الجغرافي إلى سلطة عملية على حركة التجارة الدولية .
وفي المقابل يواجه النظام الإيراني معضلة لا تقل تعقيدا. فكلما استخدم المضيق لرفع كلفة الحرب على خصومه رفع في الوقت نفسه احتمالات استهداف الأدوات التي تمكنه من ذلك وكلما ارتفعت المخاطر حول هرمز ازدادت كلفة نقل نفطه هو أيضا. وهكذا تحمل الجغرافيا التي تمنح النظام الإيراني إحدى أقوى أوراقه داخلها نقطة ضعفه؛ فالطريق الذي يستطيع تهديد الآخرين عبره هو الطريق نفسه الذي يحتاج إليه اقتصاده .
لكن الحرب لا تجري في الخليج العربي وحده. فخلف المواجهة الأمريكية الإيرانية تقف الصين بوصفها عاملا قد يحدد فاعلية الضغط الاقتصادي وزمنه. استمرار تدفق النفط الإيراني إلى السوق الصينية يمنح طهران مساحة للتنفس بينما يؤدي توسيع العقوبات إلى المؤسسات الصينية الكبرى إلى نقل جزء من المواجهة من إيران إلى العلاقة بين أكبر اقتصادين في العالم. وعند هذه النقطة تصبح العقوبات قرارا جيوسياسيا يتجاوز بكثير حدود الأداة المالية .
وفي المقابل تحمل كل قوة أمريكية إضافية تبقى في الشرق الأوسط كلفة لا تظهر في ميزانية الحرب وحدها. فالمنافس الاستراتيجي الأكبر لواشنطن يقع في المحيطين الهندي والهادئ وكل شهر تستمر فيه المواجهة الإيرانية يمنح بكين وقتا لا تحتاج إلى القتال للحصول عليه. ولذلك تستطيع الولايات المتحدة التفوق عسكريا على النظام الإيراني من دون أن يعني ذلك بالضرورة أن حربا طويلة تخدم ترتيب أولوياتها العالمية .
وهنا يدخل الزمن نفسه ميدان الحرب. فواشنطن تحتاج إلى أن ينتج الحصار والعقوبات أثرا سياسيا قبل أن تتحول كلفة استمرار المواجهة إلى استنزاف استراتيجي بينما يحتاج النظام الإيراني إلى الصمود مدة تكفي لجعل استمرار الضغط أكثر كلفة من التراجع عنه. وبين الحسابين تستفيد الصين من كل شهر تنشغل فيه القوة الأمريكية بعيدا عن مسرح منافستها الأكبر .
والرد الإيراني الأخير باتجاه مواقع تستخدمها القوات الأمريكية في المنطقة يكشف أن الضغط المتزايد لا ينتج بالضرورة تنازلا فوريا وقد يدفع بدلا من ذلك إلى توسيع جغرافية المواجهة. وهنا تتحمل دول المنطقة آثار حرب لم تكن صاحبة قرار إشعالها بينما تبقى المملكة العربية السعودية ودول الخليج العربي معنية بحماية أمنها ومجالاتها الجوية ومنشآتها وممرات الطاقة والتجارة دون أن يعني ذلك أنها طرف تابع في الحرب بين واشنطن وطهران .
ومن هنا يصبح الحديث عن جزيرة خرج مختلفا تماما. فضرب منشأة عسكرية في لارك يستهدف أداة من أدوات الحرب أما تعطيل خرج فعليا فسيمس أحد أهم شرايين الاقتصاد الإيراني. ولهذا فإن الانتقال من لارك وقشم إلى خرج إن وقع لن يكون مجرد توسيع لقائمة الأهداف بل انتقالا من ضرب القدرة على تهديد الملاحة إلى ضرب القدرة الاقتصادية على تمويل استمرار الحرب .
*الخلاصة الاستراتيجية .*
ربما تدخل الحرب الآن مرحلتها الأكثر تعقيدا؛ مرحلة لا يبحث فيها الطرفان عن الضربة الأكبر بقدر ما يبحث كل منهما عن جعل استمرار الحرب أكثر كلفة على الآخر. واشنطن تضغط على المال والموانئ وحرية الحركة والنظام الإيراني يستخدم الجغرافيا والصواريخ والممرات البحرية واتساع مسرح الرد. وبينهما يقف الاقتصاد العالمي أمام مضيق ضيق والصين أمام فرصة استراتيجية ودول المنطقة أمام ضرورة حماية مصالحها .
*{ وقد لا يحسم هذه الحرب من يملك القوة الأكبر وحدها بل من يستطيع إبقاء طرقه مفتوحة وموارده متدفقة وخياراته السياسية حرة عندما تبدأ خيارات خصمه في الانكماش . }*
*خرائط توضيحية مرتبطة بالتحليل المتقدم ذكره ؛*
*الأولى ؛ خارطة المسارات البديلة عبر مضيق هرمز / الخليج العربي .*
*حسب زعمه وإدعائه ؛ أصدر الحرس الثوري الإيراني تعليماته لجميع السفن الراغبة في عبور مضيق هرمز باتباع مسار خاص عبر المياه الإيرانية حول جزيرة لارك .*
المصدر: بيانات MarineTraffic لحركة الملاحة في مضيق هرمز بتاريخ ( 20 ) أغسطس ( 2026 )م .
*الثانية ؛ صورة جوية لجزيرة خرج المقابلة للساحل الإيراني / شمال الخليج العربي ( محور الاهتمام الأمريكي والإعلامي المكثف في الآونة الأخيرة ) .*
المصدر : أوربيتال هورايزون / غالو إيميجز – غيتي إيميجز .
*أعاد الرئيس الأمريكي / دونالد ترامب اسم جزيرة خرج الإيرانية الصغيرة / شمال الخليج العربي إلى واجهة الحرب بعد أن تناولها في رسالته عبر منصة ( تروث سوشيال ) ، بما أعاد طرح أهميتها في مسار الضغط العسكري والاقتصادي على النظام الإيراني. فالجزيرة تقع على بعد نحو ( 25 ) كيلومترا من الساحل الإيراني وتمثل المركز الأهم لصادرات النفط الإيرانية، إذ تمتلك طاقة تحميل تصل إلى نحو ( 7 ) ملايين برميل يوميا ويمر عبرها ما يقدر بنحو ( 90–95% ) من صادرات إيران النفطية. ولذلك فإن مجرد إدخال خرج في الخطاب الأمريكي يحمل دلالة تتجاوز مساحتها الجغرافية الصغيرة؛ لأنها تمثل نقطة التقاء مباشرة بين الحرب والاقتصاد وقدرة النظام الإيراني على استمرار تدفق أهم موارده المالية .*


