كُتاب الرأي

*عندما يصبح المتعامل مع النظام الإيراني جزءا من الحصار .*

*عندما يصبح المتعامل مع النظام الإيراني جزءا من الحصار .*

*رؤية تحليلية .*

*الأحد الموافق ( 30 ) أغسطس ( 2026 )م .*

كتبه؛ اللواء البحري الركن المتقاعد / عبدالله بن سعيد الغامدي

دبلوماسي سابق وخبير في الدراسات الاستراتيجية .

*{ قد يحتمل النظام الإيراني ضيق الطريق زمنا طويلا لكن المعادلة تتغير عندما يصبح من يفتح له الطريق معرضا للحصار أيضا . }*

تنتقل المواجهة الاقتصادية بين الولايات المتحدة والنظام الإيراني إلى مرحلة أكثر تعقيدا من العقوبات التقليدية التي عرفتها طهران طوال العقود الماضية. فالتحرك الأمريكي الأخير لا يستهدف الاقتصاد الإيراني وحده بقدر ما يتجه تدريجيا نحو البيئة الخارجية التي تساعد النظام على الوصول إلى المصارف والأسواق وشبكات التجارة والنقل والطاقة. وهنا تتغير طبيعة الضغط لأن السؤال لم يعد كم يستطيع النظام الإيراني تحمل العقوبات بل كم تستطيع الأطراف التي تتعامل معه تحمل كلفة استمرار هذا التعامل .

*1. من حصار النظام إلى حصار منافذه .*

أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية في ( 24 ) أغسطس توسيع حملتها الاقتصادية ضد الروابط المالية والتجارية للنظام الإيراني حول العالم مع رفع مخاطر العقوبات الثانوية المرتبطة بعدد من القطاعات والشبكات التي تساعد طهران على الوصول إلى الأسواق والتمويل والتجارة الدولية .

والأهم أن واشنطن لم تكتف بتوسيع دائرة العقوبات بل بدأت ربط الضغط بمسارات زمنية وإجرائية محددة قبل الانتقال إلى مراحل إضافية من الإنفاذ. وهذا يعني أن الحملة تتحرك تدريجيا من استهداف النظام الإيراني نفسه إلى رفع كلفة التعامل معه على الأطراف التي توفر له منافذ مالية وتجارية .

فالطرف الخارجي الذي كان يحسب أرباحه من التعامل مع إيران أصبح مطالبا بحساب ما قد يخسره من علاقته بالدولار والنظام المالي الأمريكي والأسواق الدولية إذا استمر في تقديم تلك الخدمات .

*2. بنك مصر في الإمارات رسالة تتجاوز البنك .*

جاء التحرك الأمريكي المعلن في ( 28 ) أغسطس ليقدم نموذجا عمليا لهذا الاتجاه عندما اقترحت شبكة مكافحة الجرائم المالية التابعة لوزارة الخزانة الأمريكية منع فروع بنك مصر في الإمارات من الوصول إلى علاقات المراسلة المصرفية الأمريكية .

وبحسب ما أعلنته السلطات الأمريكية فإن تلك الفروع عالجت خلال الفترة من يناير ( 2024 ) حتى يونيو ( 2026 ) معاملات تقدر بنحو ( 1.8 ) مليار دولار لمصلحة ( 103 ) شركات ترى السلطات الأمريكية أنها قد تكون مرتبطة بشبكات الصيرفة الموازية الإيرانية .

وتتهم السلطات الأمريكية تلك الفروع بأنها شكلت منفذا ماليا مهما لشبكات مرتبطة بالنظام الإيراني ومكنت معاملات مالية كبيرة من المرور عبر النظام المالي الدولي. لكن طبيعة معرفة البنك بهذه الارتباطات ومسؤوليته عنها لا تزال ضمن المسار التنظيمي الأمريكي ولم تثبت بحكم قضائي نهائي .

كما أن الإجراء الأمريكي المعلن لا يمثل حتى الآن حظرا نهائيا نافذا بل قاعدة مقترحة تخضع لفترة تعليق عام مدتها ( 30 ) يوما بعد نشرها في السجل الفيدرالي. كما يتعلق الإجراء بالفروع المعنية في الإمارات ولا يعني امتداده تلقائيا إلى المقر الرئيسي للبنك في مصر أو بقية فروعه الخارجية .

وهنا تكمن الرسالة الاستراتيجية الأهم؛ فمجرد انتقال المخاطر من الشركات والسفن والوسطاء إلى المؤسسات المالية قد يدفع مؤسسات أخرى إلى مراجعة تعاملاتها قبل وصول العقوبات إليها .

*3. لماذا تستمر الشبكات الموازية؟*

السؤال الأكثر أهمية هو لماذا تقبل بعض الشركات والوسطاء الدخول في معاملات معقدة لإخفاء حركة الأموال أو النفط الإيراني رغم معرفتهم بالمخاطر؟

الجواب في كثير من الحالات يبدأ بالمصلحة الاقتصادية. فالعقوبات تخلق سوقا موازية ترتفع فيها العمولات وتزداد أرباح الوسطاء وتصبح السرية نفسها سلعة لها ثمن. وكلما ارتفعت المخاطر ارتفع المقابل المالي المطلوب لتحملها .

لكن المصالح قد لا تكون مالية وحدها. فهناك حسابات تجارية وسياسية وجيوسياسية لدى بعض الأطراف التي ترى في استمرار العلاقة مع طهران وسيلة لحماية مصالحها أو توسيع نفوذها أو الاستفادة من الفراغ الذي تتركه الشركات الدولية المنسحبة .

*{ من يساعد المحاصر لا يفعل ذلك دائما حبا فيه فقد يصنع الحصار نفسه سوقا لا يجدها في الظروف الطبيعية . }*

*4. النفط والممرات البحرية .*

يبقى النفط أحد أهم مصادر العملة الصعبة للنظام الإيراني ولذلك تركز واشنطن ضغوطها على منظومة أوسع تشمل السفن والوسطاء والمشترين وشبكات التمويل والخدمات المرتبطة بتجارة الطاقة .

وتدل بيانات الشحن المنشورة خلال أغسطس على تراجع واضح في تدفقات النفط الإيراني إلى الصين مقارنة بمستويات سابقة. كما أصبح التخزين العائم وحركة الناقلات والتأمين والوصول إلى الموانئ جزءا من معادلة الضغط الاقتصادي .

وفي الجانب البحري برز مؤشر ميداني إضافي مع الإعلان عن إعادة توجيه ( 82 ) سفينة تجارية حتى ( 28 ) أغسطس في سياق تطبيق إجراءات الحصار البحري. وإذا استمر هذا الاتجاه فإن أثره لن يقاس بعدد السفن وحده بل بارتفاع كلفة النقل والتأمين والمخاطر التي يتحملها المتعاملون مع التجارة الإيرانية .

وفي المقابل تدل أحدث البيانات الإيرانية على أن الحصار لم يغلق شريان النفط بصورة كاملة حتى الآن. فبحسب بيانات منسوبة إلى وزارة النفط الإيرانية حولت طهران نحو ( 7.5 ) مليار دولار من عائدات النفط خلال الأشهر الأربعة الأولى من السنة الإيرانية إلى البنك المركزي بما يعادل نحو ( 99% ) من المستهدف في الموازنة لتلك الفترة. كما أعلن الرئيس الإيراني أن بلاده باعت نحو ( 90 ) مليون برميل من النفط خلال فترة مذكرة يونيو .

ومع أن هذه الأرقام صادرة عن الجانب الإيراني فإنها تكشف أن النظام ما زال يحتفظ بقدرة على بيع النفط وتحصيل جزء مهم من عائداته. وهذا يجعل الاختبار الحقيقي للضغط الأمريكي في المرحلة القادمة مرتبطا بمدى قدرته على تضييق منافذ البيع والشحن والتمويل والتحويل المالي التي تسمح لطهران بتحويل النفط إلى إيرادات فعلية .

وهكذا يصبح البحر امتدادا للعقوبات المالية بدلا من أن يكون مسارا منفصلا عنها .

*5. الاقتصاد الإيراني يبدأ بإظهار آثار الضغط .*

أحد أهم المؤشرات جاء من داخل إيران نفسها مع الإعلان عن تراجع الصادرات والواردات بنحو ( 35% ) تحت تأثير العقوبات والحصار البحري .

وتكتسب هذه النسبة أهميتها لأنها تتجاوز الحديث عن حجم الأموال المجمدة أو عدد الشركات الخاضعة للعقوبات إلى قياس الحركة الفعلية للتجارة الإيرانية. وعندما ينخفض حجم التجارة بهذا المستوى فإن التأثير يمتد تدريجيا إلى العملة والأسعار وسلاسل الإمداد والاستثمار والقدرة على تمويل الواردات والمحافظة على النشاط الاقتصادي .

ومع ذلك فإن الاعتقاد بأن العقوبات الاقتصادية وحدها ستقود إلى تغيير سياسي سريع قد يكون تقديرا متعجلا. فالنظام الإيراني عاش عقودا تحت العقوبات وطور شبكات متعددة للالتفاف عليها كما أن الاقتصاد الموازي يستطيع توفير قدر من القدرة على الاستمرار .

لكن الفارق هذه المرة أن الضغط الاقتصادي يأتي بالتزامن مع حرب مستمرة منذ ستة أشهر وحصار بحري واضطراب في تجارة الطاقة والملاحة وتزايد المخاطر أمام الشركاء والوسطاء الخارجيين .

*6. متى تبدأ النتائج الأعمق؟*

العقوبات الاقتصادية لا تعمل كالصاروخ الذي تظهر نتيجته بعد لحظات بل تتراكم آثارها عبر الوقت .

وقد تبدأ نتائج المرحلة الحالية خلال الأشهر القادمة في صورة ارتفاع تكاليف التحويل والشحن والتأمين وصعوبة الوصول إلى العملات الأجنبية وانسحاب مزيد من الوسطاء والمصارف. أما التأثير الأعمق فقد يحتاج فترة أطول تتوقف على درجة التزام الدول والمؤسسات بالعقوبات وقدرة واشنطن على تطبيق العقوبات الثانوية ومدى استمرار كبار المشترين في استيعاب النفط الإيراني .

ولهذا فإن العامل الحاسم لن يكون عدد العقوبات المعلنة بقدر ما سيكون عدد المنافذ التي تغلق فعليا .

فالضغط يصبح أكثر تأثيرا عندما يواجه الوسيط نفسه معادلة بسيطة: ما الذي سيربحه من التعامل مع النظام الإيراني وما الذي قد يخسره إذا أصبح وصوله إلى الأسواق الدولية والدولار والنظام المصرفي العالمي معرضا للخطر؟

*الخاتمة* .

تدل المؤشرات والدلائل الحالية على أن الولايات المتحدة تحاول نقل الحرب المالية من داخل الاقتصاد الإيراني إلى محيطه الخارجي. فالهدف لم يعد فقط منع طهران من الحصول على المال بل جعل من يساعدها على الحصول عليه معرضا هو الآخر لدفع الثمن .

*وما جرى مع فروع بنك مصر في الإمارات يمثل مؤشرا واضحا لهذه المرحلة. فالإجراء الأمريكي المقترح يحمل رسالة تتجاوز المصرف نفسه: الوصول إلى الدولار قد يصبح جزءا من ثمن التعامل مع الشبكات المالية المرتبطة بالنظام الإيراني .*

ومع ذلك لم يكتمل الحصار. فالصين ما زالت العقدة الكبرى والعراق وتركيا وباكستان وغيرها تحتفظ بدرجات متفاوتة من العلاقات الاقتصادية مع إيران كما يمتلك النظام خبرة طويلة في البحث عن الطرق البديلة .

*لكن التطور الأخطر بالنسبة إلى طهران أن تلك البدائل نفسها أصبحت هدفا .*

*وإذا استمرت واشنطن في الانتقال من التحذير إلى التطبيق واتسعت الإجراءات من القنوات الوسيطة إلى المؤسسات والشركات الأكبر فقد يصبح السؤال خلال الأشهر المقبلة مختلفا تماما :*

*وليت شعري كم من المتعاملين الآخرين الذين لا نعلمهم قد تكشفهم الأيام وهم يفتحون لشبكات النظام الإيراني من تحت الطاولة منافذ مالية أو تجارية أو لوجستية يظنون أنها ستبقى بعيدة عن أعين الرقابة؟* .

*ليس كم تستطيع طهران تحمل العقوبات بل كم شريكا سيبقى مستعدا لتحمل تبعات التعامل معها؟* .

كاتب رأي 

اللواء عبدالله بن سعيد الغامدي

أديب سعودي وكاتب رأي وملحق عسكري سابق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.