الخليج يرسم معادلته الجديدة

الخليج يرسم معادلته الجديدة
لم يعد ما يجري في الخليج العربي مجرد سلسلة من الأزمات المتلاحقة، بل نحن أمام مرحلة يعاد فيها تشكيل موازين القوة في الإقليم، بالتزامن مع تحول أوسع في النظام الدولي نفسه. عالم تتراجع فيه هيمنة القطب الواحد، وتتقدم فيه الصين، وتحاول روسيا تثبيت حضورها، بينما تعيد الولايات المتحدة ترتيب أولوياتها، وتصعد قوى إقليمية تبحث عن مساحة أكبر في صناعة القرار.
وسط هذه التحولات، تبدو دول الخليج ـ وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية ـ أكثر إدراكاً من أي وقت مضى بأن الاستقرار الذي قامت عليه نهضتها الاقتصادية لا يمكن أن يبقى معتمداً على معادلات أمنية صيغت قبل عقود.
فأزمات مضيق هرمز، والحرب مع إيران، والتوترات الممتدة من الخليج إلى البحر الأحمر، كشفت أن أمن الطاقة والممرات البحرية وسلاسل الإمداد أصبح جزءاً لا يتجزأ من مفهوم الأمن القومي.
ومن هنا يمكن فهم التحول السعودي الجاري.
الرياض لا تتجه إلى استبدال واشنطن ببكين، ولا الغرب بالشرق؛ بل نحو بناء شبكة مصالح وتحالفات متعددة. الولايات المتحدة ستبقى شريكاً استراتيجياً مهماً، لكن المملكة توسع في الوقت نفسه علاقاتها مع الصين، وتعزز شراكاتها مع تركيا وباكستان والهند وغيرها.
إنها، باختصار، سياسة تعدد الخيارات ومنع الارتهان لخيار واحد.
وهذا التحول يعكس السعودية الجديدة التي لا تريد أن تكون مجرد طرف يتأثر بما تقرره القوى الكبرى، بل قوة قادرة على المشاركة في صناعة التوازنات.
أما إيران، فتقف أمام معادلة أكثر تعقيداً. فقد بنت جانباً مهماً من نفوذها الإقليمي على الصواريخ والأذرع المسلحة والجغرافيا الاستراتيجية، وفي مقدمتها مضيق هرمز. لكن المفارقة أن الإفراط في استخدام هرمز أداةً للضغط قد يدفع العالم ودول الخليج بصورة أسرع نحو إيجاد البدائل، وبالتالي تقليص القيمة الاستراتيجية لهذه الورقة على المدى البعيد.
ومع ذلك، فإن المصلحة الخليجية ليست في انهيار إيران أو دخولها في فوضى داخلية. إيران دولة كبيرة ومجاورة، وأي انهيار واسع فيها ستكون ارتداداته خطيرة على الخليج بأكمله.
المعادلة الأكثر أمناً هي إيران مستقرة داخل حدودها، تتخلى عن مشروع النفوذ عبر المليشيات، وتتعامل مع جيرانها بمنطق الدولة والمصالح المتبادلة.
وفي خلفية المشهد تقف المنافسة الأمريكية ـ الصينية.
واشنطن تنظر إلى الخليج من زاوية الأمن والطاقة وإسرائيل والممرات البحرية ومواجهة تمدد بكين، بينما تنظر الصين إليه باعتباره شرياناً للطاقة وحلقة رئيسية في التجارة العالمية والربط بين آسيا وأفريقيا وأوروبا.
ولهذا فإن المنافسة القادمة لن تكون عسكرية فقط.
ستكون المنافسة على الموانئ، والطاقة، والذكاء الاصطناعي، والكابلات البحرية، والسكك الحديدية، والمعادن، وسلاسل الإمداد والممرات التجارية.
وهنا تعود الجغرافيا لتفرض نفسها.
فإذا كان مضيق هرمز يمثل بوابة الخليج التقليدية، فإن البحر الأحمر وبحر العرب سيكتسبان ثقلاً أكبر في معادلات العقود المقبلة. والسعودية تتمتع بميزة استراتيجية استثنائية؛ دولة تطل على الخليج والبحر الأحمر، وتتوسط طرق الربط بين ثلاث قارات، وتمتلك الاقتصاد والقدرة المالية والمشروع التنموي اللازم لتحويل الجغرافيا إلى قوة سياسية واقتصادية.
ومن هذه الزاوية تحديداً ينبغي النظر إلى حضرموت.
بعيداً عن الشعارات والصراعات اليمنية الضيقة، فإن حضرموت مساحة شاسعة تقع على الامتداد الجنوبي للجزيرة العربية، ترتبط جغرافياً بالمملكة، وتمتلك ساحلاً طويلاً ومهماً على بحر العرب.
وبالنسبة للأمن القومي السعودي، فإن السؤال لا ينبغي أن يكون فقط: ماذا يحدث سياسياً في حضرموت؟
بل: من سيضمن استقرار هذه المساحة الاستراتيجية مستقبلاً؟
فحضرموت مستقرة، يدير أهلها أرضهم وثرواتهم ويحافظون على أمنها، تمثل عمقاً آمناً للجزيرة العربية. أما حضرموت المضطربة أو المخترقة من مليشيات ومشاريع إقليمية متصارعة، فإنها تتحول إلى خاصرة استراتيجية مفتوحة على الحدود السعودية وبحر العرب.
ومن هنا أرى أن استقرار حضرموت وتمكين أهلها من تقرير مستقبلهم ليس قضية محلية معزولة، بل مسألة ينبغي أن تقرأ مستقبلاً ضمن الحسابات الأوسع لأمن المملكة والجزيرة العربية.
فالحدود وحدها لم تعد تصنع الأمن.
الأمن الحديث يبدأ قبل الحدود؛ من استقرار الجوار، ومن الموانئ والممرات البحرية، ومن شبكات الطاقة والاتصالات، ومن منع القوى المعادية من إيجاد موطئ قدم في المناطق الاستراتيجية المحيطة بالدولة.
ولهذا فإن المملكة أمام فرصة تاريخية لصياغة مفهوم أوسع لأمنها القومي؛ مفهوم لا يقوم على التدخل في شؤون الآخرين، وإنما على بناء فضاء من الاستقرار والمصالح المشتركة حولها، من الخليج شرقاً إلى البحر الأحمر غرباً، ومن الشمال العربي إلى بحر العرب جنوباً.
أما دولياً، فلا يبدو أننا ذاهبون إلى عالم تسيطر عليه قوة واحدة كما حدث بعد نهاية الحرب الباردة.
العالم القادم سيكون أكثر تعقيداً وتنافساً، وستجد الدول المتوسطة نفسها أمام خيارين: إما أن تصبح ساحات للصراع بين الكبار، أو أن تبني من القوة والاقتصاد والعلاقات ما يسمح لها بالمناورة بينهم.
والسعودية تملك فرصة نادرة لأن تكون من الفئة الثانية.
لديها الاقتصاد والموقع والطاقة والثقل العربي والإسلامي، ولديها رؤية تنموية طموحة وعلاقات تمتد من واشنطن إلى بكين، ومن أوروبا إلى آسيا.
لكن القوة الحقيقية ليست في امتلاك هذه العناصر منفردة، بل في جمعها داخل استراتيجية واحدة طويلة المدى.
فالعالم يعيد ترتيب نفسه، والشرق الأوسط يعيد تشكيل توازناته، والجغرافيا التي أهملها البعض لعقود تعود اليوم لتتكلم بصوت مرتفع.
ومن يقرأ الخريطة مبكراً، يستطيع التأثير في المستقبل.
فالخليج لم يعد مجرد ساحة تتنافس عليها القوى الكبرى؛ بل بدأ يتحول إلى قوة تشارك في رسم قواعد اللعبة نفسها.
بقلم: مهندس صالح بن سعيد المرزم
29 أغسطس 2026م

