كُتاب الرأي

من السيف إلى الدرع…

من السيف إلى الدرع…

اتفاق مكة وهندسة السعودية للشرق الأوسط الجديد

قبل ما يقارب العام، وتحديدًا في 17 سبتمبر 2025، كتبت مقالًا بعنوان:

«الرياض تكشف السيف النووي: من تبعية كوينسي إلى سيادة الردع»

وقلت فيه إن اتفاقية الدفاع الاستراتيجي بين المملكة العربية السعودية وجمهورية باكستان لم تكن مجرد اتفاقية عسكرية، بل كانت إعلانًا عن انتقال المملكة من مرحلة البحث عن الضمانات الأمنية إلى مرحلة صناعة منظومة ردع مستقلة، قادرة على حماية مصالحها الاستراتيجية.

اليوم…

وبعد توقيع اتفاق مكة للدفاع المشترك بين المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان، تبدو تلك القراءة أكثر وضوحًا.

فما حدث في مكة ليس اتفاقًا جديدًا بقدر ما هو المرحلة الثانية من مشروع استراتيجي بدأ قبل أشهر، ويتوسع اليوم من شراكة ثنائية إلى منظومة إقليمية ثلاثية. (Reuters)

من الاتفاق الثنائي… إلى المنظومة الإقليمية

اتفاق سبتمبر 2025 منح المملكة عمقًا استراتيجيًا مع باكستان.

أما اتفاق مكة فقد أضاف ضلعًا ثالثًا لا يقل أهمية.

فتركيا ليست دولة عادية في المعادلة العسكرية.

إنها تمتلك ثاني أكبر جيش في حلف الناتو، وقاعدة صناعية دفاعية متقدمة، وخبرة كبيرة في الصناعات العسكرية والطائرات المسيّرة والأنظمة الإلكترونية.

وفي المقابل تمتلك باكستان واحدة من أكثر المؤسسات العسكرية خبرة في العالم الإسلامي، إلى جانب قدراتها الاستراتيجية المعروفة.

أما المملكة، فتملك الثقل الاقتصادي، والموقع الجغرافي، والقدرة على تمويل المشاريع الدفاعية الكبرى، إضافة إلى ثقلها السياسي والديني.

وعندما تجتمع هذه العناصر الثلاثة، فإننا لا نتحدث عن تحالف تقليدي، بل عن منظومة تجمع المال، والصناعة، والخبرة العسكرية، والموقع الجيوسياسي في إطار واحد. (Reuters)

لماذا مكة تحديدًا؟

لم يكن اختيار مكة مجرد اختيار لمكان التوقيع.

فالرسائل الاستراتيجية كثيرًا ما تبدأ من الرموز.

ومكة ليست فقط عاصمة العالم الإسلامي الروحية، بل تمثل أيضًا مركز الشرعية الإسلامية.

أن يُوقّع اتفاق دفاعي بهذا الحجم في مكة، يعني أن المملكة أرادت أن تقول إن الأمن والاستقرار في المنطقة يجب أن ينطلقا من قلب العالم الإسلامي، لا أن يُفرضا من خارجه.

وهذه رسالة سياسية لا تقل أهمية عن نصوص الاتفاق نفسه.

السعودية لم تعد تدير الأزمات… بل تعيد تصميم الإقليم

خلال العقود الماضية، كانت المنطقة تتحرك وفق سياسة “إدارة الأزمات”.

تنفجر أزمة…

ثم تُحتوى.

ثم تنفجر أزمة أخرى.

لكن ما نشهده اليوم مختلف تمامًا.

المملكة تتحرك وفق رؤية طويلة المدى تقوم على إعادة بناء البيئة الإقليمية نفسها.

ولهذا لا يمكن فصل:

* رؤية المملكة 2030،
* ومشروعات الممرات الاقتصادية،
* وتطوير الصناعات العسكرية،
* والاستثمارات العالمية،
* واتفاقيات الدفاع،
* والتحركات الدبلوماسية،

عن بعضها.

إنها أجزاء في مشروع واحد.

ثلاث قوى… وثلاثة مفاتيح

إذا نظرنا إلى الدول الثلاث سنجد أن لكل دولة ميزة استراتيجية مختلفة.

السعودية تمثل مركز الطاقة العالمي، والاقتصاد، والقيادة السياسية العربية والإسلامية.

تركيا تمثل القوة الصناعية والعسكرية والتكنولوجية.

باكستان تمثل العمق العسكري والخبرة العملياتية والقدرات الاستراتيجية.

وهذه ليست منافسة بين الدول الثلاث، بل توزيع للأدوار داخل معادلة واحدة.

ولهذا فإن الاتفاق يبدو أقرب إلى بناء منظومة تكامل، لا مجرد تحالف دفاعي.

الرسالة الحقيقية للاتفاق

قد يظن البعض أن الرسالة موجهة إلى خصم بعينه.

لكن القراءة الأعمق تشير إلى أن الرسالة موجهة إلى الجميع.

ومضمونها بسيط:

إن الشرق الأوسط يدخل مرحلة جديدة، يكون فيها أمن المنطقة مسؤولية دولها أولًا.

وهذا تحول كبير مقارنة بالعقود الماضية التي كانت تعتمد بصورة أساسية على المظلات الأمنية الخارجية.

وفي الوقت نفسه، أكدت الأطراف الموقعة أن الاتفاق دفاعي بطبيعته، ولا يستهدف إنشاء محور هجومي أو استبدال الشراكات الدولية القائمة، بل تعزيز الردع والاستقرار. (Reuters)

ماذا بعد اتفاق مكة؟

إذا كان اتفاق سبتمبر 2025 قد أسس للردع…

فإن اتفاق مكة يبدو أنه يؤسس لبنية أمنية قابلة للتوسع.

وقد يكون السؤال خلال السنوات المقبلة ليس:

من انضم إلى الاتفاق؟

بل:

من سيطلب الانضمام إليه؟

فكل منظومة أمنية ناجحة تبدأ بدول قليلة، ثم تتحول تدريجيًا إلى إطار أوسع كلما أثبتت قدرتها على تحقيق الاستقرار.

الخاتمة

عندما كتبت في 17 سبتمبر 2025 أن المملكة بدأت تنتقل من مرحلة “تلقي الضمانات الأمنية” إلى مرحلة “صناعة منظومة الردع”، كان ذلك قراءة لمسار بدأ يتشكل.

واليوم، مع توقيع اتفاق مكة، يبدو أن ذلك المسار قد دخل مرحلة أكثر نضجًا.

فالرياض لم تعد تكتفي ببناء القوة…

بل أصبحت تعمل على هندسة البيئة الاستراتيجية المحيطة بها.

وهذه هي النقلة الأهم.

فالقوة تصنع الردع…

أما الرؤية، فهي التي تصنع المستقبل.

بقلم: مهندس صالح بن سعيد المرزم
8 أغسطس 2026

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.