الشيطان الإيراني… عندما يصبح العالم رهينة

الشيطان الإيراني… عندما يصبح العالم رهينة
من “حوار الطرشان”… إلى الحقيقة التي نعيشها اليوم
هناك مقالات تُكتب لتصف حدثًا…
وهناك مقالات تُكتب لتقرأ ما قبل الحدث.
وفي 25 فبراير 2026، أي قبل اندلاع الحرب الأمريكية الإيرانية بأشهر، نشرت مقالًا بعنوان “أمريكا وإيران… حوار الطرشان”.
في ذلك الوقت، كان المشهد العام يتحدث عن فرص التهدئة، وعن مفاوضات قد تنجح، وعن أن التصعيد ليس سوى وسيلة لتحسين شروط التفاوض.
أما أنا…
فكتبت شيئًا مختلفًا.
قلت إن السؤال لم يعد:
هل ستقع الضربة؟
بل:
متى ستقع؟
ورجّحت أن المواجهة أصبحت مسألة وقت، وأن المنطقة تتحرك نحو انفجار محسوب، لا تستطيع المفاوضات وحدها منعه.
لم يكن ذلك ادعاءً لمعرفة الغيب…
بل قراءةً للمشهد، ولحركة الجيوش، وللغة الخطابات، وللمصالح التي كانت تعيد رسم الشرق الأوسط بصمت.
ثم جاءت الحرب…
وأثبتت أن المشكلة لم تكن في التصريحات، بل في الاتجاه الذي كانت تسير إليه المنطقة منذ البداية.
ولم تتوقف القراءة عند ذلك.
فبعدها نشرت تباعًا:
“الشيطان الإيراني هو التفاصيل”…
ثم…
“حوار الطرشان”…
ثم…
“إيران بعد الحرب”…
ثم…
“بعد السماء… الأرض”…
ورغم اختلاف العناوين…
فإنها كانت تتحدث عن مسار واحد.
مسار تتغير فيه الأدوات…
ويبقى جوهر الأزمة ثابتًا.
ليست إيران…
بل من اختطف قرارها
من السهل أن نقول إن إيران هي المشكلة.
لكن الحقيقة أكثر تعقيدًا.
فالدول تُدار عبر مؤسساتها.
أما عندما تصبح المؤسسة العسكرية صاحبة القرار السياسي، وصاحبة قرار الحرب، وصاحبة قرار السلم، وصاحبة النفوذ الاقتصادي…
فنحن لا نكون أمام دولةٍ بالمعنى التقليدي.
بل أمام دولة اختُطف قرارها.
اليوم، يبدو الحرس الثوري الإيراني أكثر من مجرد مؤسسة عسكرية.
إنه العقل الذي يدير جزءًا كبيرًا من المشهد الإقليمي.
وهو الذي يمتلك شبكة نفوذ تجاوزت الحدود الإيرانية منذ سنوات.
في العراق…
الحشد الشعبي.
وفي اليمن…
الحوثيون.
وهذه الأذرع لم تعد تؤثر في الدول التي تنشط فيها فقط…
بل أصبحت تؤثر في أمن الطاقة العالمي…
وفي التجارة الدولية…
وفي حركة الملاحة…
وفي الاقتصاد العالمي بأسره.
ولهذا…
لم تعد الأزمة أزمة إيران وحدها.
بل أزمة منظومة كاملة تمتد من طهران إلى أكثر من ساحة إقليمية.
“يدّور لحمار خاله”
في حضرموت، مثل شعبي قديم يقول:
“يدّور لحمار خاله.”
ويضرب هذا المثل لمن يتعمد استفزاز من هو أكبر منه، معتقدًا أنه يستطيع التحكم في النتائج.
وهذا ما رأيناه خلال السنوات الأخيرة.
استفزاز…
ثم استفزاز أكبر…
ثم اختبار جديد…
ثم تجاوز جديد…
حتى يصل الجميع إلى اللحظة التي يصبح فيها الرد أمرًا لا مفر منه.
والأغرب…
أن من يبدأ بإشعال الأزمة…
هو أول من يهرول إلى الوسطاء.
“رنّوه… رنّوه… رنّوه”
وفجأة…
يتحول المشهد كله إلى نسخة سياسية من المشهد الشهير للفنان عبدالله القصبي في طاش ما طاش:
“رنّوه… رنّوه… رنّوه…”
اتصلوا بهذا…
وأرسلوا ذاك…
واطلبوا الوسيط…
وأوقفوا التصعيد…
وأعيدوا الجميع إلى طاولة المفاوضات.
وكأن أحدًا لم يكن يعلم إلى أين كانت تسير الأمور.
“سيب… وأنا أسيب”
ثم تبدأ الحلقة التالية.
ضربة…
فيرد الطرف الآخر.
ثم رد على الرد.
ثم بيان.
ثم تهديد.
ثم رسالة عبر وسيط.
ثم اتصال.
ثم تهدئة مؤقتة.
وكأن الجميع يعيد المشهد الشهير للفنان عادل إمام:
“سيب… وأنا أسيب.”
لكن الاقتصاد العالمي لا يستطيع أن يعيش وفق هذه القاعدة.
فالأسواق لا تنتظر.
وشركات التأمين لا تنتظر.
وسلاسل الإمداد لا تنتظر.
العالم أصبح رهينة
اليوم…
ليست إيران وحدها هي التي تعيش الأزمة.
بل العالم كله.
رهينة لناقلة قد تُستهدف.
أو مضيق قد يُغلق.
أو طائرة مسيّرة قد تُطلق.
أو ذراع مسلحة تتحرك خارج منطق الدولة.
كل ذلك ينعكس خلال ساعات على:
أسعار النفط…
والغاز…
والذهب…
والتأمين البحري…
والشحن العالمي…
وسلاسل الإمداد…
والبورصات…
وثقة المستثمرين.
ولم يعد ذلك مجرد سيناريو افتراضي.
فما شهدته منشآت وسفن الغاز في ميناء دمياط المصري أعاد التذكير بمدى هشاشة أمن الطاقة في المنطقة.
ورغم أن التحقيقات الرسمية لم تحسم سبب الحادث، فإن ترجيحات تداولتها جهات أمنية بحرية ومصادر ملاحية أشارت إلى احتمال تعرض الموقع أو إحدى الوحدات المرتبطة به لهجوم بطائرة مسيّرة.
وسواء أكدت التحقيقات تلك الترجيحات أو انتهت إلى نتيجة مختلفة…
فإن الرسالة الاستراتيجية واحدة.
لم تعد الحروب تستهدف الجيوش فقط…
بل أصبحت تستهدف شرايين الاقتصاد العالمي.
ومن مضيق هرمز…
إلى البحر الأحمر…
إلى باب المندب…
إلى شرق البحر المتوسط…
تتسع رقعة المخاطر…
ويبقى الاقتصاد العالمي رهينة لأي شرارة جديدة.
الشيطان الإيراني… هو التفاصيل
عندما نشرت مقال “الشيطان الإيراني هو التفاصيل”، لم أقصد أن المشكلة تكمن في إيران كدولة، ولا في تصريحات مسؤوليها.
بل قصدت أن الكوارث الكبرى تبدأ دائمًا بتفاصيل صغيرة.
طائرة مسيّرة…
زورق مفخخ…
ناقلة نفط…
ناقلة غاز…
صاروخ يُطلقه وكيل هنا…
أو ميليشيا هناك…
لكن أثر تلك التفاصيل لا يبقى محصورًا في مكانها.
بل يمتد إلى الطاقة…
والتجارة…
والاستثمار…
والاقتصاد العالمي بأسره.
ولهذا قلت يومها إن الشيطان الإيراني هو التفاصيل.
واليوم…
تؤكد الوقائع أن المنطقة لا تُدار بالبيانات السياسية وحدها…
بل بتلك التفاصيل الصغيرة التي قد تُشعل أزمة عالمية خلال ساعات.
ومن يقرأ مقالاتي منذ فبراير 2026 وحتى اليوم…
سيجد أنها لم تكن تتحدث عن أحداث متفرقة…
بل عن مسار واحد.
تغيّرت فيه الأدوات…
وتبدلت الوجوه…
لكن جوهر الأزمة بقي كما هو.
قد تتوقف الحروب.
وقد تُوقَّع الاتفاقات.
وقد تُفتح قنوات التفاوض.
لكن ما لم تُعالج جذور المشكلة…
فسيبقى الشرق الأوسط يدور في الحلقة نفسها:
استفزاز…
فتصعيد…
فوساطات…
فتهدئة…
ثم…
عودة إلى نقطة البداية.
الخاتمة
لقد بدأت هذه القراءة في 25 فبراير 2026…
قبل أن تنطلق أولى الضربات…
وقبل أن تشتعل الحرب…
وقبل أن تتغير عناوين الأخبار.
واليوم…
وبعد كل ما حدث…
لا أزعم أنني كنت أقرأ المستقبل.
لكنني كنت أقرأ الاتجاه الذي كانت تسير إليه الأحداث.
فالسياسة ليست تنبؤًا…
بل فهمٌ للمسارات.
وما نراه اليوم يؤكد أن الشرق الأوسط لا يعيش أزمة حدود…
ولا أزمة نفوذ…
بل أزمة قرار.
قرار عندما يخرج من إطار الدولة…
وتصبح أدواته أذرعًا عسكرية عابرة للحدود…
فإن المنطقة تصبح رهينة.
والاقتصاد العالمي يصبح رهينة.
والعالم كله يدفع الثمن.
ويبقى السؤال…
هل آن الأوان لتحرير المنطقة من دوامة إدارة الأزمات؟
أم أننا ما زلنا في بداية فصل جديد منها؟
بقلم: مهندس صالح بن سعيد المرزم
30 يوليو 2026
#السعودية #الشرق_الأوسط #رؤية_2030 #السياسة #الاستقرار #التنمية #صالح_المرزم
#حضرموت #السعوديه #حضرموت_تقرر_مصيرها #حضارم_في_ذاكره_الوطن_السعودي #حوار_الطرشان
