الأخبار

سلطة المبتدأ بين” الإبداع والمعرفة”

سلطة المبتدأ بين” الإبداع والمعرفة”

سهام حسين القحطاني

يُعدّ الإبداع والمعرفة من أشد الثنائيات تعقيدًا على المستوى الفكري؛ لأن الفواصل الماهويّة بينهما تكاد تكون شديدة الاستتار؛

لا يميّزها إلا الراسخ في الفكر.

قديما وقف المفكرون أمام ثنائية “المعرفة والإبداع”: أيهما أسبق من الآخر، أو أيهما شكلّ الآخر؟،لأننا أعتدّنا غالبا على ربط قيمة الأشياء بكونها تمثل “المبتدأ”مما يجعل ما بعده تابعًا لا منتجَا لتأثير جديد.

فهناك من يرى أن المعرفة هي أسبق من الإبداع و بالتالي فهي الذي شكلت بنيته، ولكن وفق هذا الرأي من الذي أنتج المعرفة؟. وهناك من يرى أن الإبداع أسبق من المعرفة، فلولا وجوده ما تشكلت المعرفة.

 فقدرة الإنسان على الملاحظة والإدراك والتحليل والاستنباط هي التي شكلت قواعد المعرفة وموضوعاتها، وتلك القدرات جمعيها ماهي إلا عظام هيكل الإبداع الإنساني.

ولكن أليس الإبداع في ذاته موضوعًا من موضوعات المعرفة؟. فكيف يصبح الأثر فاعلا؟،وهنا نعود إلى سلطة المبتدأ.!

تتكون المعرفة من أمرين: الأمر الأول: “ما نراه ونلاحظه ونحلله ” في أوعية أذهاننا.

والأمر الآخر: مجموع “مصطلحاتنا اللفظية و المفاهيمية وصياغاتنا النظرية” التي تحول كل ما نراه و نحلله إلى “نسيج فكري” نصنع منه المعارف المختلفة.

فنحن” نرى، ونفكر، ثم ننتج المعرفة”.

لكن هذه الثلاثية لا تبدو سهلة في مرآة الفكر كما مرآة السطور؛ فهل ما “نراه” –التجربة الصورية-هو الذي يصنع المعرفة، أم “ما ننتجه” –الإبداع-هو الذي يصنع المعرفة؟.

كان “ديكارت” من أبرز المفكرين الذي ربطوا نشأة المعرفة بإبداع الإنسان لكون تلك النشأة هي إحدى منسوجات إنتاجه الفكري.

والمعرفة عند ديكارت هي حاصل التجربة الإدراكية للإنسان وحدسه، فهو لا ينكر دور التجربة الإدراكية للإنسان في نسج معارفه، لكنه يقلل من قيمة التجربة بوصفها أساسًا لصناعة موضوعات المعرفة، ويقدم الحدس على صورية التجربة.

فكل ما نتوصل إليه من معرفة عن طريق التجربة الإدراكية لا تمثل حقيقة مطلقة، أو لا يمكن أن يتحول إلى  أساس لبناء المعرفة إلا إذا آمن حدس الإنسان  بتلك المعرفة وصدّقها، حينها تصبح المعرفة يقينًا في مطلقها.

ومن هذا المبدأ “تشكل منهج الشك لديه” فالمعرفة الناتجة عن التجربة الصورية المباشرة أو غير المباشرة أو الموثقة بالنقل

 والتوارث قابلة للشك دوما، إلا إذا اثبت يقين المرء من خلال حدسه حقيقة موضوع تلك المعرفة، باعتبار أن العقل الإنساني هو صانع المعرفة لا التجربة.

صحيح أن إبداع الإنسان هو الذي يصنع المعرفة و أن القيمة المضافة المتعالية لإبداعه تُسهم دوما في يطور تلك المعرفة، لكن الاعتماد الكلي و الأحادي على “حدسه” بوصفه مؤسِسًا لموضوعات المعرفة، هو أمر يتنافى مع علمية أسس البناء المعرفي.

 “فتأليه الحدس” بوصف ممثلاً لعقل الإنسان وقدراته في صناعة المعرفة و تهميش التجربة الصورية و تجاهل خبراتها يعني الدخول في “فوضى معرفية تصبح فيها المعرفة فارغة من الأسس و الثوابت” وهو ما يضرّ بعقائد الإنسان.

فلا يمكن إنكار قيمة موضوع معرفي لمجرد أن حدسنا لا يتوافق معه، فالحدس لا يملك صلاحية صحة مطلقة، ومن هنا وضعت لبناء المعرفة ضوابط وشروط للصلاحية وثوابت للتوثيق.

صحيح أن ديكارت سعى من خلال منهجه الشكيّ إلى رفع أي حصانة قدسية عن المعرفة، وإخضاعها لقوانين النقد و الشك، لكن تظل هناك منطقة آمنة لحماية ثوابت المعرفة التي لا تبديل لها؛ لأنها عمود توازن الكون.

فإبداع المرء، مهما بلغت دقة حدسه وشفافيته لا يمكن أن يكون مسطرة لتمثيل معايير اليقين لمصلحة معرفته فقط لمجرد أنه مصدر نشأتها.

ومع اتساع مساحة العلم وتراجع تأثير الفلسفة الفكرية، تراجعت “سيطرة الحدس” بدورها على نشأة المعرفة وقيمتها، وتقدمت “التجربة” لتهمين على إنتاج موضوعات المعرفة باعتبارها مصدرًا القوانين العلمية.

 ومع ذلك لم تتغير الجدلية في مضمونها بل توسعت سلطة المبتدأ، لٍتصبح: من يصنع المعرفة العلم أم الإبداع.؟

كاتبة رأي 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.