كُتاب الرأي

*الكويت وباكستان… إتفاقية دفاع عسكرية .*

*الكويت وباكستان… إتفاقية دفاع عسكرية .*

*رؤية تحليلية .*

*الاثنين الموافق ( 31 ) أغسطس ( 2026 )م .*

كتبه؛ اللواء البحري الركن المتقاعد / عبدالله بن سعيد الغامدي

دبلوماسي سابق وخبير في الدراسات الاستراتيجية .

*{ الاتفاقات العسكرية لا تكشف أهميتها نصوصها وحدها فقد يقول توقيتها أحيانا أكثر مما تقوله بنودها . }*

وسط منطقة يعاد فيها رسم كثير من حسابات الأمن والردع بهدوء وقعت دولة الكويت وجمهورية باكستان الإسلامية في ( 27 ) أغسطس ( 2026 )م بروتوكولا جديدا للتعاون الدفاعي والعسكري يعزز اتفاقية التعاون الدفاعي الموقعة بين البلدين عام ( 2023 )م . وفي الظروف العادية ربما كان الحدث سيقرأ باعتباره امتدادا طبيعيا لعلاقة عسكرية قديمة بين دولتين شقيقتين لكن توقيته يأتي والخليج العربي يمر بمرحلة أمنية مختلفة تتداخل فيها تداعيات الحرب الأمريكية ضد النظام الإيراني مع أمن الملاحة والطاقة والممرات البحرية وتنامي أهمية الشراكات الدفاعية القادرة على تعزيز الردع والاستقرار الإقليمي .

*البروتوكول الجديد لا يبدأ العلاقة العسكرية بين الكويت وباكستان من الصفر بل يوسع إطارا قائما يشمل التدريب والتعليم العسكري وتبادل الخبرات والتمارين والتعاون في عدد من المجالات الدفاعية. ووفقا للبيان الباكستاني الرسمي فإن ( بروتوكول 2026 م )يضيف التدريب وبناء القدرات وإدارة الحدود وغيرها من المجالات التي يتفق عليها الطرفان ويربط تطوير هذه العلاقة بالأمن المتبادل والسلام والاستقرار الإقليمي . وهذه العبارة الأخيرة تحديدا تضع الاتفاق في سياق يتجاوز التعاون العسكري الفني إلى قراءة أوسع لمعادلات الأمن المحيطة بالخليج العربي .*

وباختيار باكستان شريكا دفاعيا إضافيا لا تتحرك الكويت نحو مساحة مجهولة. فالعلاقات العسكرية الباكستانية الخليجية تمتد لعقود كما تمتلك القوات المسلحة الباكستانية خبرة واسعة في التدريب والتعاون العسكري مع دول المنطقة . وتضيف الجغرافيا بعدا آخر لهذه العلاقة فباكستان تطل على بحر العرب وتقع بالقرب من المداخل الشرقية للخليج العربي وتملك ثقلا عسكريا وقدرات نووية ، وعلاقات استراتيجية متنوعة مع المملكة العربية السعودية ودول الخليج العربي وتركيا والصين والولايات المتحدة الأمريكية إلى جانب قنواتها السياسية مع إيران .

لكن توقيت الاتفاق يفتح زاوية أخرى للقراءة. فهو يأتي بعد أسابيع قليلة من توقيع *( اتفاق مكة للدفاع المشترك )* بين المملكة العربية السعودية وجمهورية تركيا وجمهورية باكستان الإسلامية في ( 7 ) أغسطس ( 2026 )م والذي رفع مستوى التعاون الدفاعي بين الدول الثلاث إلى صيغة متقدمة تقوم على اعتبار أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث هجوما عليها جميعا .

ولا يعني ذلك أن الاتفاق الكويتي الباكستاني إمتداد قانوني لاتفاق مكة أو أن الكويت أصبحت جزءا منه . فلا توجد معلومات رسمية تسمح بمثل هذا الاستنتاج . لكن الاستراتيجية لا تقرأ الاتفاقات منفردة فقط بل تراقب اتجاه الحركة وتتابع توقيت القرارات واتساع دوائر التعاون . وعندما تظهر خلال فترة قصيرة ترتيبات دفاعية متعددة تكون باكستان طرفا رئيسيا فيها يصبح من المشروع التساؤل عما إذا كانت المنطقة تتجه تدريجيا نحو شبكة أوسع من الشراكات الدفاعية المتداخلة .

*ومن هذه الزاوية لا تبدو الاتفاقية الدفاعية بين الكويت وباكستان تحولا بعيدا عن منظومة الأمن القائمة في الخليج العربي بقدر ما تمثل إضافة جديدة إليها . فالدولتان ترتبطان بعلاقات أمنية وعسكرية مهمة مع الولايات المتحدة الأمريكية وتصنفهما واشنطن ( حليفين رئيسيين من خارج حلف الناتو ) بينما تحتفظ الكويت بشراكة دفاعية أمريكية ممتدة وتستضيف وجودا عسكريا أمريكيا مهما . ولذلك فإن توسيع التعاون العسكري الكويتي الباكستاني لا يمثل بديلا عن التعاون مع الولايات المتحدة ولا مؤشرا على تراجعه بل يمكن قراءته باعتباره توسيعا لدائرة الشراكات الدفاعية التي تعزز قدرة المنطقة على حماية أمنها واستقرارها . كما أن صفة الحليف الرئيسي من خارج الناتو تمنح إطارا متقدما للتعاون العسكري مع واشنطن لكنها لا تعني في ذاتها ضمانة دفاع جماعي مماثلة لما يوفره حلف الناتو .*

*وهذه النقطة مهمة لأن التحولات الجارية قد يساء تفسيرها باعتبارها بحثا عن مظلات أمنية بديلة . الوقائع المتاحة لا تدعم هذا الاستنتاج حتى الآن . والأقرب أن المملكة العربية السعودية ودول الخليج العربي تعمل ضمن بيئة تسمح بتنويع الشراكات الدفاعية مع المحافظة على علاقاتها الاستراتيجية *( المتميزة ) القائمة مع الولايات المتحدة الأمريكية . ومن هذه الزاوية يمكن للتعاون الكويتي الباكستاني أن يلتقي مع الجهود الأمريكية الرامية إلى دعم الأمن والاستقرار الإقليمي ومنع اتساع الصراعات وحماية أمن الملاحة والطاقة في الخليج العربي .*

أما باكستان فتتحرك في مساحة دقيقة تجمع بين القوة العسكرية والدبلوماسية . فهي توسع تعاونها الدفاعي مع دول الخليج وفي الوقت نفسه تحتفظ بقنوات اتصال مع إيران وتستطيع بحكم موقعها وعلاقاتها التحدث مع أطراف متعارضة . وهذا يمنحها وزنا يتجاوز عدد الاتفاقات التي توقعها لأن قيمة الشريك الإقليمي لا تقاس بما يمتلكه من قوة فقط بل بقدرته على استخدام علاقاته لمنع تحول الأزمات إلى مواجهات أوسع .

ومن هنا فإن وضع اتفاق الكويت إلى جانب إتفاق مكة لا يعني وجود تحالف عسكري واحد بقدر ما يكشف اتساع شبكة العلاقات الدفاعية الإقليمية وبروز باكستان شريكا عسكريا متقدما في أمن الخليج العربي مع إستمرار العلاقات الدفاعية الأمريكية عنصرا رئيسيا في معادلة الأمن الإقليمي .

قد يكون من المبكر الحديث عن ولادة منظومة أمنية جديدة فالتحالفات الكبرى لا تصنعها اتفاقية واحدة ولا بروتوكول واحد . لكن الاتفاق الكويتي الباكستاني يضيف مؤشرا جديدا إلى مشهد يتحرك بسرعة ويؤكد أن دول المنطقة توسع خياراتها الدفاعية دون أن يعني ذلك التخلي عن شراكاتها التقليدية .

*{ وربما لا تكون التحولات الجارية بحثا عن بديل للولايات المتحدة بقدر ما تكون توسيعا لهندسة الأمن الإقليمي بحيث يصبح تعدد الشركاء قوة إضافية وتصبح الاتفاقات الدفاعية الجديدة روافد متكاملة لأمن الخليج العربي واستقراره . } .*

كاتب رأي 

اللواء عبدالله بن سعيد الغامدي

أديب سعودي وكاتب رأي وملحق عسكري سابق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.