كُتاب الرأي

(صالح… حين يصبح الغياب حضورًا)

(صالح… حين يصبح الغياب حضورًا)

هيا سالم الكريديس 

في اليوم الثاني… بدأ الغياب يتكلم
في اليوم الأول من الفقد، لا نملك وقتًا لفهم ما حدث.
تأتي الصدمة أكبر من قدرتنا على الاستيعاب، وتتزاحم الوجوه والكلمات والدعوات، بينما يبقى في الداخل سؤال واحد لا يجد إجابة: هل رحل حقًا؟
وفي اليوم الثاني من عزاء أخي صالح، بدأت أشعر بأن الغياب أخذ شكله الحقيقي.
لم يعد الأمر خبرًا سمعته، ولا لحظة صادمة مرّت بي، بل حقيقة أراها في الوجوه، وألمسها في تفاصيل المكان، وأشعر بثقلها كلما تذكرت أن صالح لن يدخل علينا من جديد.
الفقد لا يأتي دفعة واحدة كما نظن؛ ربما يبدأ لحظة الرحيل، ثم يتسلل إلينا في الأيام التالية، مع كل تفصيل صغير اعتدنا وجود الراحل فيه.
في اليوم الثاني، تبدأ الذاكرة بالحديث أكثر.
نتذكر صوته، حضوره، ملامحه، المواقف التي جمعتنا به، والأشياء التي كنا نظن أنها عادية، ثم نكتشف بعد الرحيل أنها كانت جزءًا ثمينًا من حياتنا.
وأصعب ما في الفقد أن الإنسان لا يستطيع أن يقول لمن رحل كل ما بقي في قلبه.
نكتشف متأخرين أن هناك كلمات كان يمكن أن نقولها، وامتنانًا كان يمكن أن نعبّر عنه، وأوقاتًا كنا نظن أنها ستتكرر.
رحل صالح فجأة، وترك في قلوبنا مساحة لا يشبهها شيء.
وأنا، التي اعتدت أن أكتب عن المشاعر والحياة والإنسان، أجدني أمام شعور أعجز عن وصفه تمامًا.
ربما لأن بعض الأحزان لا تُكتب بسهولة، وبعض الأسماء حين نكتبها نشعر أننا نكتب معها جزءًا من القلب.
والدي كان أول من ألهمني للكتابة، ومن خلال الكتابة تعلمت أن أمنح المشاعر كلمات، لكنني اليوم أتعلم درسًا آخر: أن هناك ألمًا أكبر من اللغة، وأن الصمت أحيانًا يكون أصدق من كل ما يمكن أن نقوله.
لا أريد أن أكتب عن صالح بوصفه غائبًا فقط، بل أريد أن أكتب عنه بوصفه أثرًا بقي.
فالأشخاص الذين نحبهم لا تنتهي حكاياتهم حين يرحلون؛ تبقى سيرتهم فينا، وتبقى مواقفهم في الذاكرة، وتبقى أسماؤهم على ألسنتنا بالدعاء.
في ثاني يوم من عزائه، أدركت أن الفقد ليس أن نفقد حضور الإنسان فقط، بل أن نتعلم كيف نعيش مع غيابه.
وسنحاول.
سنحزن، وندعو، ونتذكر، ثم نمضي بما تركه فينا من أثر.
أما صالح، فسأترك اسمه بين أصدق الكلمات التي أعرفها:
رحمك الله يا أخي.
رحلت عن أعيننا، لكنك لم ترحل من قلوبنا.
وسيظل لك في الدعاء مكان، وفي الذاكرة عمر، وفي القلب أثر لا يرحل.

كاتبة رأي 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.