لا أحلى من الدنيا ولا أمر منها

لا أحلى من الدنيا ولا أمر منها
بقلم / عبدالله بن معدي الخشرمي
كيف سيعاملك الناس إذا لم يكن لديك نفع تقدمه لهم ،الجميع يحبك إذا كنت مفيد ونافع ،الجميع لديه ولاء يقدمه لك إذا كانت لديك علاقات قوية ،الجميع سيحضر إذا كنت أنت الذي يدعوه للضيافة والراحة وتحقق أهدافه وقضاء حوائجه ،اذا كان وجودك يزيد ارباحهم ويفيد شغلهم ويسعد حالهم سيحبونك ،لكن توقف عن تقديم كل الخدمات والعطاءات والتضحيات سترى ماذا سيحدث.
المكان يبدأ يخلو من الناس ،وينقلب الحال فجأة ،وتكتشف أنهم لم يعودوا يسألوا عنك ،واستبدلوك بمقتدر آخر ،وتكلموا عنك بسوء واحيانًا قد يكونوا كشفوا أسرارك وأحيانًا تنسى تمامًا وتختفي من قصصهم واهتماماتهم ،فمن المستحيل يقول لك أحدهم أنا ابتعدت عنك لأنك لم تعد مفيدًا بالنسبة لي ،بل سيقول لك والله انشغلت أو والله صار عندي ظروف ،الظروف الصعبة هي التي تبين لك “دائرتك الحقيقية”.
الشخص الحقيقي في محيطك الاجتماعي ليس من يرسل لك قصة سريعة أو رسائل عامة لغاية التواجد داخل دائرتك الاجتماعية ودوائر الآخرين أو لغاية الانتشار والظهور ،بل من يتصل بك ويتوصل إليك رغم أن ليس لديك شيء تقدمه له ،الذي يجلس معك حتى وأنت ساكت ويبقى معك حتى وأنت ليس لديك شيء تقدمه له ،هؤلاء هم دائرتك الحقيقية ،لذلك لا تعتقد اختفائهم خسارة ،من الممكن أن اسوا فترة تمر في حياتك هي عملية فرز جراحية مؤلمة تعلمك من يستحق ومن لا يستحق.
يقول قائل : لا تحاربها دع ربي يختصرها عليك ،أي لا تحارب ظروفك الصعبة دع ربك جل في علاه يفرز لك الأشخاص الذين يستحقون البقاء في حياتك ،فبعض الأحيان لا تحتاج أن تعرف من يحبك عندما يكون لديك شيء مفيد ونافع ،ولكن أحيانًا تحتاج أن تعرف من يبقى عندما لا يكون لديك شيء مفيد ونافع ،وهنا يا عزيزي يؤسفني إخبارك بأن كل ما تقدم خطأ اجتماعي وانساني فادح وكارثي! خير الناس أنفعهم للناس سواءً كانت ظروفه صعبه أم جيدة.
في العصور القديمة كان الناس يتعرضون لإصابات قاتلة ومميتة وأحيانًا إلى عجز كلي ،وقد يكون بعضهم ولد بإعاقة جسدية تحول بينه وبين رزقه ،أو قد ولد بتشوهات خلقية تعيق حركته واندماجه مع المجتمع ،أو بلغ من الكبر والهرم ما أفقده جميع قواه ،لكن القدماء والأوائل اكتشفوا دواءً سحريًا عظيمًا يعالج جميع هذه الظروف الصعبة ،وهو دواء العون الاجتماعي ،تجدهم يحملون المصاب ويقاسمونه أرزاقهم ،يعينونه ويتكفلون به كانوا جميعًا متعاونين ومتكافلين.
يقول الشنفرى في لامية العرب قبل 1700 عام (وإن مدت الأيدي إلى الزاد لم أكن بأعجلهم إذ أجشع القوم أعجلُ ،وما ذاك إلا بسطة عن تفضل عليهم وكان الأفضل المتفضل) وهو هنا طبيب اجتماعي يكشف لنا عن دواء سحري لعلاج ظروف الآخرين الصعبة ،دواء سيتملكه الجميع عندما يتمكنون من ترويض النفس البشرية المجبولة على حب الذات والأنانية ،بتقديم يد العون للضعفاء والمحتاجين.
موروثنا إرث طبي أخلاقي ونفسي واجتماعي واقتصادي ،يعمل كصيدلية تحتوي على جميع الأدوية التي صنعها أجدادنا لكل الإشكاليات الحياتية ،تجدهم أوجدوا أدوية شافية بعد مشيئة الله لكل الظروف التي تواجهنا اليوم ،تجدهم وضعوا قوانين للتعاون بين الذكر والأنثى ،بين الصغير والكبير ، بين القوي والضعيف ،بين الغني والفقير ،بين الصحيح والمريض ،بين الاباء والابناء ،بين السائل والمسؤول ،بين الراضي والزعلان ،بين الذكي والغبي ،بين الوحيد والجماعة ،بين الزواج والطلاق ،إرث عظيم لو فتشنا فيه لوجدنا أدوية شافية لجميع أمراض الحاضر يقول الشاعر الشعبي بن عشقه ( لا أحلى من الدنيا ولا أمر منها) .
كاتب رأي