كُتاب الرأي

*تطورات كبيرة في الحرب …*

*تطورات كبيرة في الحرب …*

*رؤية تحليلية .*

*الاثنين الموافق ( 31 ) أغسطس ( 2026 )م .*

كتبه؛ اللواء البحري الركن المتقاعد / عبدالله بن سعيد الغامدي دبلوماسي سابق وخبير في الدراسات الاستراتيجية .

*{ أخطر التحولات في الحروب ليست دائما في حجم الضربة بل في اللحظة التي تتغير فيها قواعد الاشتباك وتصبح الجغرافيا والاقتصاد والردع ساحات لحرب واحدة . }*

دخلت الحرب بين الولايات المتحدة والنظام الإيراني مرحلة أكثر تعقيدا بعد عودة القوة العسكرية المباشرة إلى الواجهة بالتزامن مع استمرار الضغط البحري الأمريكي وتصاعد الضغط المالي والاقتصادي . والمهم هنا ليس مجرد عودة تبادل الضربات بل أن أدوات الحرب التي بدت خلال الأسابيع الماضية منفصلة بدأت تعمل ضمن معادلة واحدة؛ القوة العسكرية والبحر والمال والطاقة والردع الإقليمي .

*العودة إلى القوة العسكرية .*

الضربة الأمريكية على جزيرة لارك عند مضيق هرمز تحمل دلالة أكبر من حجم الهدف العسكري نفسه . فاختيار موقع بهذه الحساسية يعني أن واشنطن ما زالت مستعدة لاستخدام القوة داخل الأراضي الإيرانية عندما ترى أن تحركات النظام الإيراني تهدد الملاحة أو قواتها ومصالحها .

والرد الإيراني على مواقع تستضيف قوات أمريكية في المنطقة يؤكد في المقابل أن طهران ما زالت ترى في توسيع جغرافية الرد وسيلة لرفع كلفة أي ضربة تتعرض لها .

*ويكشف امتداد التصعيد الإيراني إلى الأردن ودولة الإمارات العربية المتحدة تحولا أكثر دلالة من مجرد اختيار هدف عسكري بعينه؛ فقد أعلن النظام الإيراني استهداف مواقع توجد فيها قوات أمريكية في الأردن ثم ادعى الجيش الإيراني استهداف قاعدة المنهاد الجوية في الإمارات بعشرات المسيرات . غير أن وزارة الدفاع الإماراتية نفت رسميا استهداف القاعدة وأكدت في الوقت نفسه أن القوات الجوية تعاملت مع مسيرة قادمة من إيران فوق المياه الإقليمية للدولة، فيما أدانت وزارة الخارجية الإماراتية الهجوم الإيراني وعدته انتهاكا لسيادة الدولة وأمنها واستقرارها . وهكذا تتسع جغرافية المواجهة مرة أخرى لتصل آثارها إلى أراضي ومياه دول عربية ليست طرفا في قرار الحرب بين واشنطن وطهران .*

*وللمفارقة فإن الوحدات البحرية الأمريكية موجودة في الخليج العربي ومضيق هرمز وفي مسرح عمليات يكاد يكون على مرمى البصر من السواحل الإيرانية . ومع ذلك يبدو أن بعض الرد الإيراني يجد الطريق إلى دول عربية أبعد جغرافيا قبل أن يجد أهدافا أمريكية أقرب إلى السواحل الإيرانية . ويبدو أن المسافة في حسابات طهران لا تقاس دائما بالكيلومترات؛ فبعض الأهداف القريبة قد تكون أبعد سياسيا وعسكريا من أهداف تفصلها عنها مئات الكيلومترات .*

*{ وهنا تصبح الجغرافيا نفسها جزءا من المشكلة؛ فالنظام الإيراني عندما ينقل رده على الولايات المتحدة إلى أراضي دول المنطقة لا يوسع ميدان عملياته فحسب بل ينقل جانبا من كلفة صراعه مع واشنطن إلى دول وشعوب ليست طرفا فيه . }*

وهذا يضيف بعدا أكثر خطورة إلى المرحلة الحالية؛ فالمواجهة لم تعد تتحرك وفق تسلسل واضح يبدأ بضربة وينتهي برد محسوب بل أصبحت محكومة بتداخل ساحات متعددة . وكلما اتسعت جغرافية الرد واقتربت العمليات من مضيق هرمز ارتفعت احتمالات انتقال أثرها من المجال العسكري إلى أمن المنطقة والاقتصاد العالمي خلال ساعات .

*هرمز يتجاوز الجغرافيا .*

مضيق هرمز لم يعد مجرد ممر بحري في هذه الحرب بل تحول إلى مركز ثقل استراتيجي تتقاطع عنده المصالح العسكرية والاقتصادية والسياسية .

فالضغط البحري الأمريكي ومحاولات ضمان حرية الممرات الدولية والقدرات الإيرانية المتعلقة بالصواريخ والمسيرات والألغام تجعل المضيق مساحة اختبار مستمرة لإرادة الطرفين . لكن الأهم أن قيمة هرمز لا تكمن في السيطرة العسكرية عليه وحدها وإنما في قدرة أي اضطراب فيه على نقل كلفة الحرب إلى دول وأسواق ليست طرفا مباشرا فيها .

ولهذا تحركت أسعار النفط مباشرة مع التصعيد الأخير . والسوق هنا لا تسعر ما وقع فقط بل تسعر احتمال ما قد يقع لاحقا . وكلما أصبح المرور عبر المضيق مرتبطا باحتمال الاشتباك ارتفعت كلفة النقل والتأمين والطاقة وتوسعت الدائرة الاقتصادية للحرب .

*وهذا يمنح هرمز خصوصيته؛ فحادث عسكري واحد قربه قد يكون أثره الاقتصادي أكبر من أثر ضربات عسكرية متعددة بعيدا عنه .*

*الحرب الاقتصادية تتسع .*

عودة الصواريخ لم توقف الحرب المالية الأمريكية بل جعلت الجبهتين العسكرية والاقتصادية تتحركان في وقت واحد . ويأتي الإجراء الأمريكي المقترح ضد فروع بنك مصر في الإمارات على خلفية معاملات تقول واشنطن إنها مرتبطة بشبكات مالية إيرانية مؤشرا على انتقال الضغط من استهداف النظام الإيراني مباشرة إلى استهداف منافذه الخارجية .

*والتطور الأهم أن واشنطن لم تعد تتحدث عن إجراء مصرفي منفرد؛ إذ تتجه وزارة الخزانة الأمريكية إلى فرض عقوبات ثانوية جديدة بوتيرة أسبوعية مع تركيز أولي على المصارف والمؤسسات التي ترى واشنطن أنها تتيح للنظام الإيراني الوصول إلى النظام المالي الدولي . وهذا يعني أن المصرف أو الشركة أو الوسيط الذي يمنح النظام الإيراني منفذا إلى الدولار والأسواق الدولية قد ينتقل من مجرد متعامل معه إلى هدف مباشر للضغط الأمريكي مع احتمال فقدان الوصول إلى النظام المالي القائم على الدولار .*

*{ وهكذا تتغير معادلة الحصار؛ لم يعد السؤال من يتعامل مع النظام الإيراني بل من يستطيع تحمل كلفة الاستمرار في التعامل معه . }*

لكن عودة العمليات العسكرية قرب مضيق هرمز تضيف إلى هذه المعادلة بعدا أكثر خطورة؛ فالضغط على شبكات النظام الإيراني المالية والتجارية والنفطية لم يعد يتحرك في بيئة اقتصادية منفصلة عن الحرب . فالمصرف يحسب مخاطر العقوبات وشركة الشحن تحسب مخاطر الملاحة وشركة التأمين تعيد تسعير الخطر والمتعامل بالنفط يواجه في الوقت نفسه احتمالات التعرض للعقوبات واضطراب طرق الإمداد وارتفاع كلفة النقل .

*وهنا قد يصبح تزامن الضغط المالي مع الخطر العسكري أكثر تأثيرا من كل منهما منفردا؛ لأن العقوبات تضيق منافذ النظام الإيراني بينما يرفع اضطراب هرمز كلفة استخدام ما بقي من تلك المنافذ .*

وإذا استمرت العقوبات بهذه الوتيرة وتزامنت مع استمرار التوتر العسكري والبحري فإن أثرها قد يكون أكثر استدامة من بعض العمليات العسكرية؛ لأن النظام الإيراني يستطيع تعويض جزء من خسائره الميدانية بينما يصبح تعويض شبكة مصرفية وتجارية ونفطية دولية مترددة في التعامل معه أكثر صعوبة كلما ارتفعت المخاطر عليها .

*الإقليم يعيد ترتيب معادلات الردع .*

بالتزامن مع هذه التطورات يبدأ اتفاق مكة بين المملكة العربية السعودية وجمهورية باكستان الإسلامية وتركيا الانتقال من الإعلان السياسي إلى العمل المؤسسي مع الاجتماع الأول للجنة الاستراتيجية السياسية والدفاعية في إسطنبول .

والدلالة هنا ليست في الاجتماع نفسه بل في توقيته . فثلاث دول تمتلك ثقلا سياسيا وعسكريا واقتصاديا مهما تتحرك نحو بناء إطار للتنسيق الدفاعي في لحظة تعيد فيها الحرب تعريف المخاطر الإقليمية .

ولا يعني ذلك الاستغناء عن التحالفات والشراكات القائمة مع الولايات المتحدة أو بناء محور موجه ضد دولة بعينها . بل يعكس اتجاها نحو توسيع خيارات الردع وتعميق التشغيل البيني والتعاون في الصناعات الدفاعية وتوزيع أعباء الأمن بصورة أكثر تنوعا .

*وهنا تبدو الدبلوماسية والردع مسارين متكاملين؛ فالدول التي تعمل على منع اتساع الحرب هي نفسها التي تعزز قدراتها الدفاعية تحسبا لاحتمال فشل جهود التهدئة .*

*{ عندما تتعدد أدوات الحرب يصبح أخطر ما يواجه المتحاربين أن ينجح كل طرف في جبهة بينما يخسر القدرة على تحديد أين تقع الجبهة الحاسمة . }*

*الاستنتاجات .*

تدل مجمل المؤشرات الحالية على أن الحرب لم تعد قابلة للقراءة من خلال ميزان القوة العسكرية وحده . فالولايات المتحدة تجمع بين التفوق العسكري والضغط البحري والنفوذ المالي بينما يحاول النظام الإيراني استخدام موقعه الجغرافي وقدراته الصاروخية والبحرية لإبقاء كلفة المواجهة مرتفعة .

ويبدو أن مركز الثقل يتحرك تدريجيا من محاولة تحقيق نصر عسكري سريع إلى محاولة إنهاك قدرة الخصم على الاستمرار . وفي حروب الاستنزاف المركبة لا يكون السؤال دائما من يمتلك السلاح الأقوى بل من يستطيع المحافظة مدة أطول على اقتصاده وتحالفاته ومنافذه التجارية وقدرته على تحمل الكلفة السياسية والاجتماعية للحرب .

*كما أن انتقال العقوبات الثانوية من إجراءات متفرقة إلى وتيرة أسبوعية محتملة قد يغير البيئة المحيطة بطهران أكثر مما تغيرها عقوبات تستهدف الداخل الإيراني وحده؛ لأن الخطر عندئذ ينتقل تدريجيا من النظام الإيراني إلى كل من يوفر له منفذا ماليا أو تجاريا خارج حدوده .*

*الخاتمة .*

بعد ستة أشهر من الحرب لا تبدو النهاية قريبة بقدر ما تبدو طبيعة المواجهة نفسها آخذة في التغير . القوة العسكرية عادت والضغط البحري مستمر والعقوبات تتوسع ومضيق هرمز أصبح أكثر التصاقا بمسار العمليات بينما تعيد دول المنطقة بناء وترتيب خيارات الردع والدفاع .

*ولا يمكن فصل هذه النتائج عن السياسات الهجومية التي انتهجها النظام الإيراني طوال عقود وما ارتبط بها من توظيف القوة والصواريخ والمسيرات ودعم الجماعات والمليشيات والتنظيمات الإرهابية المسلحة المرتبطة به لمد نفوذه خارج حدوده . ولذلك يتحمل النظام الإيراني مسؤولية رئيسية عن وصول المنطقة إلى هذه المواجهة وما ترتب عليها من أضرار بأمن المنطقة واستقرارها والملاحة والتجارة والطاقة .*

والخطر الأكبر اليوم ليس في جبهة واحدة بل في تفاعل الجبهات جميعها . فضربة عسكرية قد تحرك النفط وعقوبة مصرفية قد تغلق منفذا خارجيا وحادث بحري قد يرفع كلفة التجارة العالمية ورد غير محسوب قد يوسع جغرافية الحرب .

*{ وهنا تكمن دلالة التطورات الكبرى؛ الحرب لم تعد تبحث عن ساحة جديدة بقدر ما أصبحت ساحاتها المختلفة تتحرك في وقت واحد وقد يكون ما يحسم مسارها في النهاية ليس أكبر ضربة عسكرية بل القدرة على الجمع بين القوة والاستمرار دون فقدان حرية القرار . }*

كاتب رأي 

اللواء عبدالله بن سعيد الغامدي

أديب سعودي وكاتب رأي وملحق عسكري سابق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.