كُتاب الرأي

حين التقيتُ بصديقات الطفولة… عاد الزمن لحظات ثم رحل

حين التقيتُ بصديقات الطفولة… عاد الزمن لحظات ثم رحل
……………..

هناك لقاءات تمر في حياتنا مرورا عابرا ، وهناك لقاءات تهز أعماق القلب ، وتوقظ في الذاكرة أجمل ما خبأته الأيام. ومن أروع تلك اللقاءات أن يجتمع الإنسان بصديقات الطفولة بعد سنوات طويلة ، وقد غيّر الزمن الملامح ، لكنه عجز أن يغيّر دفء الأرواح وصدق المشاعر .

ما إن التقينا حتى شعرت وكأن عقارب الساعة قد تراجعت إلى الوراء، وعادت بنا إلى مقاعد الدراسة، وإلى ذلك الفصل الذي احتضن أحلامنا الصغيرة ، وضحكاتنا البريئة ، وبراءة أعمارنا التي لم تكن تعرف من هموم الحياة شيئًا.

جلسنا نسترجع تلك المواقف الطريفة التي كنا نظنها آنذاك أحداثًا عادية، فإذا بها اليوم كنوز ثمينة لا تُقدّر بثمن. تذكرنا ضحكاتنا التي كانت تملأ أرجاء المدرسة، والمواقف التي كنا نرويها مرارًا فلا نملّ منها، والمعلمات اللاتي تركن في نفوسنا أثرًا لا يمحوه الزمن، والفسحة التي كانت بالنسبة لنا عالمًا من الفرح، والرحلات المدرسية، والاختبارات، والمواقف العفوية التي لا تزال تثير الضحك رغم مرور السنوات.

كان كل موقف نرويه يعيد إلينا قطعة من أعمارنا الجميلة ، حتى خُيّل إلينا أن الطفولة تقف خلف الباب تنتظر أن نفتح لها لتعود من جديد.

لكن الحقيقة التي لا يمكن الهروب منها، أن بعض الأزمنة لا تعود مهما تمنينا، وأن بعض الصفحات إذا طُويت فلن تُفتح مرة أخرى إلا في دفاتر الذكريات. فالمدرسة التي احتضنت طفولتنا تغيّرت، وربما تغيّرت مبانيها، وربما غادرها من كانوا جزءًا من تفاصيلها، أما نحن فقد حملتنا الحياة إلى طرق مختلفة، لكل واحدة منا مسؤولياتها، وأسرتها، وتجاربها، وأفراحها وأحزانها.

لقد أدركت في ذلك اللقاء أن أجمل ما في الماضي ليس الأماكن، بل الأشخاص الذين شاركونا تفاصيله. فالأماكن قد تتبدل، لكن الذكريات الصادقة تبقى حيّة في القلوب، كلما مرّ عليها طيف لقاء أو كلمة أو صورة قديمة.

إن الطفولة ليست مرحلةً عمرية فحسب، بل وطنٌ جميل نسكنه في ذاكرتنا كلما أثقلتنا الحياة. وحين نلتقي بأصدقاء ذلك الزمن، نشعر وكأننا نسترد جزءًا من أنفسنا التي أخفاها زحام السنين.

ومع انتهاء اللقاء، كان الوداع مختلفًا هذه المرة؛ فلم يكن وداع أشخاص، بل كان وداعًا لزمن أدركنا أنه لن يعود أبدًا. خرجتُ وأنا أحمل ابتسامةً رسمتها الذكريات، ودمعةً أخفاها الحنين، ويقينًا بأن أجمل سنوات العمر ليست بالضرورة تلك التي نعيشها الآن، بل تلك التي عشناها بقلوبٍ صغيرة، ونفوسٍ نقية، وأيامٍ لم نكن نعرف فيها سوى الفرح والبساطة.

رحم الله تلك الأيام الجميلة، وأدام على قلوبنا نعمة الذكريات الطيبة، فهي الثروة الوحيدة التي كلما أنفقنا منها بالحديث، ازدادت جمالًا، وكلما ابتعد عنها الزمن، ازدادت قيمة في أعيننا وقلوبنا.

……………

ابتسام عبدالعزيز الجبرين
نائب رئيس التحرير

 

ابتسام عبدالعزيز الجبرين

نائبة رئيس التحرير( كاتبة رأي ومؤلفة )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.