في ظلال المسرح

متى تستضيف المسرح في بيوتنا؟

متى تستضيف المسرح في بيوتنا؟

ليس السؤال اليوم: هل لدينا مسرح؟ فالعروض تُقدَّم، والمواهب تتألق، والحراك المسرحي يتنامى عامًا بعد عام. لكن السؤال الذي يردده كثير من محبي المسرح هو: متى يستضيف المسرح بيوتنا؟

لقد اعتادت الأسر أن تفتح شاشاتها كل مساء لتجد عشرات المسلسلات، ومئات الأفلام، وأشكالًا متنوعة من الإنتاج الدرامي والسينمائي، حتى أصبحت هذه الأعمال ضيفًا دائمًا في المنازل. أما المسرح، ذلك الفن الذي كان يومًا يجمع العائلة حول الضحكة والفكرة والدهشة، فقد أصبح حضوره على الشاشة نادرًا، رغم ما يحمله من قيمة فنية وثقافية وإنسانية.

إن اشتياق الأسر لمشاهدة العروض المسرحية ليس حنينًا إلى الماضي فحسب، بل رغبة في استعادة تجربة مختلفة؛ تجربة يشعر فيها المشاهد بأنه يعيش الحدث لحظة بلحظة، ويتفاعل مع الممثلين، ويبتسم للعفوية، ويتأمل الرسائل التي تُقال على الخشبة بلغة بسيطة وعميقة في آنٍ واحد.

للمسرح نكهة لا تشبه أي فن آخر. فهو خفيف على النفس، قريب من القلب، سريع الانتقال بين المشاهد، ومتجدد في إيقاعه. لا يعتمد على المؤثرات الضخمة بقدر اعتماده على حضور الإنسان، وعلى الكلمة، وعلى الأداء الحي الذي يمنح كل عرض شخصيته الخاصة. ولذلك يبقى المسرح تجربة يصعب أن يكررها أي وسيط فني آخر.

لسنا في منافسة مع الدراما التلفزيونية أو السينما، فلكل فن مكانته وجمهوره، لكن تنوع المحتوى الثقافي هو ما يصنع الذائقة. ومن حق الأسرة أن تجد، إلى جانب المسلسلات والأفلام، عروضًا مسرحية تُعرض على القنوات والمنصات، فتتعرف إلى كتّاب المسرح، ومخرجيه، وممثليه، وإلى القصص التي تنبض على خشبات المسارح في مختلف مناطق المملكة.

إن نقل المسرح إلى الشاشة لا يعني أن يفقد سحره، بل يعني أن تتسع دائرة جمهوره. فكم من أسرة لم تتح لها فرصة حضور عرض مسرحي بسبب بُعد المسافة، أو ارتباطات العمل، أو محدودية المقاعد، لكنها ستجد في العرض المتلفز فرصة لتعيش هذه التجربة من منزلها، وربما يدفعها ذلك لاحقًا إلى حضور المسرح مباشرة.

كما أن بث العروض المسرحية سيصنع ذاكرة ثقافية للأجيال القادمة. فكم من أعمال مميزة انتهت بانتهاء ليالي عرضها، ولم يبق منها إلا صور متفرقة أو ذكريات يرويها من حضرها. بينما كان يمكن أن تتحول إلى أرشيف ثقافي يثري المكتبة السعودية، ويمنح الأجيال فرصة مشاهدة التجارب المسرحية والاستفادة منها.

لقد آن الأوان أن يكون للمسرح مكانه على الشاشة، لا باعتباره مادة موسمية، بل بوصفه جزءًا من المشهد الإعلامي والثقافي. فالعرض المسرحي لا يستحق أن يبقى حبيس الخشبة، بل يستحق أن يدخل كل بيت، وأن يجلس مع الأسرة كما تجلس المسلسلات والأفلام كل مساء.

نحن لا نطلب أكثر من نافذة تُفتح للمسرح، ومن كاميرا تنقل نبض الخشبة، ومن قناة تؤمن بأن هذا الفن يستحق أن يُشاهَد. فالمسرح ليس مجرد عرض ترفيهي، بل لقاء إنساني حي، يجمع الفكر والابتسامة، ويمنح الأسرة لحظات من المتعة الراقية والحوار الجميل.

ويبقى السؤال مفتوحًا إلى من يهمه أمر المسرح …
متى تستضيف المسرح في بيوتنا؟ فربما يكون الجواب بداية مرحلة جديدة، يصبح فيها المسرح ضيفًا دائمًا على شاشاتنا، كما هو حاضرٌ في قلوب محبي

أ. أماني الزيدان

 

 

اماني سعد الزيدان

كاتبة رأي ورواية مسرحية ومشرفة على في ظلال المشهد المسرحي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.