في ظلال المسرح

مسرح الطفل… فنٌ يبني الإنسان

مسرح الطفل… فنٌ يبني الإنسان

ليس مسرح الطفل ستارةً تُفتح، وممثلين يؤدون أدوارهم ثم ينصرفون، بل هو نافذة يطل منها الطفل على عالمٍ أرحب، يتعلّم فيه قبل أن يصفق، ويحلم قبل أن يكبر. إنه الفن الذي يمزج المتعة بالتربية، ويزرع في النفوس الصغيرة بذور القيم والإبداع والثقة.
وتبدأ هذه الرحلة من المخرج، الذي لا يكتفي بصناعة المشهد، بل يصنع الدهشة. فهو يرسم عالمًا نابضًا بالألوان والحركة والموسيقى، ويقدّم الفكرة بلغة بسيطة تصل إلى عقل الطفل وقلبه، ويمنح الممثلين مساحة من التشجيع والإبداع، لأن الطفل يتعلّم بالمحبة أكثر مما يتعلّم بالأوامر.
أما الممثل، فهو الجسر الذي تعبر من خلاله الحكاية إلى وجدان الصغار. بحركة صادقة، وملامح معبرة، وصوتٍ يفيض بالحياة، يمنح الشخصيات روحًا تجعل الطفل يضحك، ويتساءل، ويتأمل. وعندما يكون الطفل نفسه على خشبة المسرح، يصبح التمثيل مدرسةً للثقة، ولغةً يكتشف بها ذاته، ويتعلم من خلالها التعبير والتعاون ومواجهة الجمهور.
ويبقى سر تميز مسرح الطفل في أنه لا يجعل جمهوره متفرجًا فقط، بل شريكًا في الحكاية؛ يسأل، ويجيب، ويغني، ويصفق، فيتحول العرض إلى تجربة حية يعيشها الطفل بكل مشاعره.
وفي المملكة العربية السعودية شهد مسرح الطفل خلال السنوات الأخيرة حراكًا متناميًا، تزامن مع الاهتمام المتزايد بالثقافة والفنون، والإيمان بدور المسرح في بناء شخصية الطفل وتنمية قدراته. فقد أصبحت الفعاليات الثقافية والمهرجانات والبرامج المسرحية تفتح أبوابًا أوسع أمام الأطفال، ليس بوصفهم جمهورًا للمشاهدة فقط، بل شركاء في التجربة الإبداعية ومشاركين في صناعة المشهد الفني.
ورغم ما تحقق من خطوات مهمة، فإن مسرح الطفل ما يزال يتطلع إلى آفاق أوسع؛ من خلال دعم الكتابة المتخصصة للطفل، وإعداد كوادر فنية قادرة على فهم عالمه واحتياجاته، وتقديم نصوص وعروض تنبع من البيئة السعودية وتحمل ملامح الهوية الوطنية وقيم المجتمع. فالطفل يرتبط أكثر بالحكايات التي تشبهه، وبالشخصيات التي يرى فيها ذاته وأحلامه الصغيرة.
ومع ما تشهده المملكة من تطور ثقافي يتناغم مع مستهدفات رؤية المملكة 2030، يلوح مستقبل واعد لمسرح الطفل، ليكون مساحة تتجاوز الترفيه إلى بناء الإنسان وصناعة الوعي وتنمية الخيال والإبداع.
إن مسرح الطفل ليس فنًا للصغار فحسب، بل رسالة تُبنى بها الأجيال. فكل عرض ناجح يترك في قلب طفل فكرة، وفي خياله حلمًا، وفي شخصيته خطوة نحو إنسان أكثر وعيًا، وأكثر قدرة على صناعة الجمال. فحين يُحسن المسرح مخاطبة الطفل… فإنه يسهم في بناء الإنسان.

بقلم: أماني الزيدان

 

 

اماني سعد الزيدان

كاتبة رأي ورواية مسرحية ومشرفة على في ظلال المشهد المسرحي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.