كُتاب الرأي

الاستثمار في قطاع السياحة

الاستثمار في قطاع السياحة

من جمال المكان إلى صناعة الاقتصاد

لم تعد السياحة نشاطًا ترفيهيًا يقتصر أثره على زيارة المواقع الطبيعية أو التاريخية، وإنما أصبحت صناعة اقتصادية متكاملة تُقاس بقدرتها على خلق الوظائف، وتنشيط الأسواق، وتحريك عجلة الاستثمار، وتعزيز الهوية الوطنية. وفي المملكة العربية السعودية تبرز فرصة استثنائية لبناء أحد أهم الأقاليم السياحية في الشرق الأوسط، يمتد من الطائف مرورًا بالباحة وصولًا إلى منطقة عسير بكل محافظاتها، مستندًا إلى تنوع جغرافي ومناخي وثقافي يصعب أن يجتمع في نطاق جغرافي واحد.

تتمتع الطائف بمكانة خاصة بوصفها بوابة المصايف السعودية، حيث المناخ المعتدل، والمرتفعات الجبلية، ومزارع الورد والفاكهة، والأسواق التاريخية. ثم تأتي الباحة بطبيعتها الخضراء وغاباتها وأوديتها وقراها التراثية التي تمثل متحفًا مفتوحًا للثقافة المحلية. أما عسير فتملك مزيجًا فريدًا من الجبال الشاهقة، والتراث العمراني، والفنون الشعبية، والمقومات الطبيعية التي تجعلها وجهة سياحية عالمية قادرة على المنافسة.

ورغم ما تمتلكه هذه المناطق من مقومات ضخمة، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في جمال المكان، وإنما في كيفية تحويل هذا الجمال إلى منتج اقتصادي مستدام يجذب الزائر ويشجعه على تكرار التجربة.

إن أولى خطوات التطوير تتمثل في بناء هوية سياحية موحدة لهذا الامتداد الجغرافي، بحيث يُنظر إلى الطائف والباحة وعسير باعتبارها وجهة سياحية واحدة متعددة التجارب. السائح الذي يصل إلى الطائف يجب أن يجد برامج ومسارات تقوده إلى الباحة ثم إلى عسير ضمن رحلة متكاملة تمتد لعدة أيام، وهو ما يسهم في زيادة مدة إقامة السائح ورفع حجم الإنفاق السياحي.

كما أن تطوير البنية التحتية السياحية يمثل حجر الأساس في نجاح الاستثمار. فالطرق الحديثة، ومناطق التوقف السياحية، ومراكز المعلومات، والخدمات الذكية، والنقل السياحي المنظم، كلها عناصر تؤثر بصورة مباشرة في تجربة الزائر. فالسائح يبحث عن الراحة بقدر بحثه عن الجمال.

ومن أهم الفرص الاستثمارية الواعدة في هذا الامتداد الجغرافي الاستثمار في المزارع والنزل السياحية. فالمزارع المنتشرة في الطائف والباحة وعسير تملك القدرة على التحول من مواقع إنتاج زراعي إلى وجهات سياحية متكاملة تستقطب الزوار طوال العام. ويمكن للمزارع أن تقدم تجارب فريدة تتمثل في قطف الفواكه الموسمية، والتعرف على المنتجات الزراعية المحلية، والاستمتاع بالأجواء الطبيعية، وتذوق المأكولات الريفية الأصيلة. هذه التجارب أصبحت اليوم من أكثر الأنشطة السياحية طلبًا في العديد من دول العالم.

أما النزل السياحية فتشكل فرصة استثمارية ذات عوائد مرتفعة، خصوصًا عندما ترتبط بالهوية المحلية للمكان. فالسائح المعاصر يبحث عن تجربة تحمل روح المنطقة وتفاصيلها الثقافية، ولذلك فإن إنشاء نزل جبلية وريفية مستوحاة من الطراز العمراني المحلي، مع تقديم الأطعمة التقليدية والأنشطة الثقافية والترفيهية، يمنح الزائر تجربة متكاملة تتجاوز مفهوم الإقامة التقليدية.

كما يمكن تشجيع أصحاب المزارع على تطوير أجزاء من مزارعهم لتشمل مرافق للإقامة الريفية، ومواقع للتخييم الفاخر، ومطاعم مفتوحة، ومسارات للمشي، ومناطق مخصصة للعائلات، بما يسهم في خلق مشاريع سياحية صغيرة ومتوسطة قادرة على تنشيط الاقتصاد المحلي وتوفير فرص عمل لأبناء المنطقة.

كذلك فإن استثمار المواسم الزراعية يمثل فرصة اقتصادية كبيرة. فمواسم الورد الطائفي، والعنب، والرمان، والتين، والعسل، والفاكهة الموسمية يمكن أن تتحول إلى مهرجانات وفعاليات سياحية تستقطب الزوار من مختلف مناطق المملكة وخارجها، وتربط بين السياحة والزراعة في نموذج تنموي مستدام.

ويأتي التسويق السياحي في مقدمة عناصر النجاح. فالمنافسة العالمية اليوم تُبنى على الصورة الذهنية أكثر من اعتمادها على الإمكانات الطبيعية وحدها. لذلك فإن صناعة محتوى احترافي بلغات متعددة، واستقطاب المؤثرين العالميين، وإطلاق الحملات الرقمية الموجهة، وإنتاج الأفلام الوثائقية القصيرة، كلها أدوات قادرة على نقل صورة هذه المناطق إلى العالم.

كما يمكن تعزيز الجذب السياحي من خلال إقامة روزنامة سنوية متكاملة للفعاليات، تشمل المهرجانات الثقافية، والبطولات الرياضية الجبلية، وسباقات الدراجات، ومواسم الورد والفواكه، والمنتديات الفكرية والفنية. فالفعاليات تصنع سببًا إضافيًا للزيارة وتمنح الوجهة السياحية حضورًا مستمرًا طوال العام.

ومن المقترحات الاستراتيجية إنشاء “طريق السياحة الجبلية السعودية” الممتد من الطائف إلى أبها، بحيث يصبح مشروعًا وطنيًا يربط بين المواقع الطبيعية والتراثية والزراعية والترفيهية في مسار واحد، مع توفير خدمات متكاملة على طول الطريق. ويمكن أن تتوزع على هذا المسار النزل الريفية والمزارع السياحية والأسواق الشعبية والقرى التراثية، ليصبح تجربة سياحية متكاملة قادرة على منافسة أشهر المسارات السياحية العالمية.

إن مستقبل السياحة في الطائف والباحة وعسير لا يعتمد على حجم المقومات المتوافرة فحسب، فهذه المقومات موجودة بالفعل، وإنما يعتمد على القدرة على تحويلها إلى تجربة متكاملة يعيشها السائح ويعود إليها مرة أخرى. وعندما تتكامل الرؤية الحكومية مع المبادرات الاستثمارية والمشاركة المجتمعية، فإن هذا الامتداد الجغرافي قادر على أن يصبح أحد أهم الأقاليم السياحية في العالم العربي، ومصدرًا اقتصاديًا مستدامًا يساهم في تنويع الاقتصاد الوطني وتحقيق مستهدفات رؤية المملكة 2030.م

فالمكان الجميل يجذب الزائر مرة واحدة، أما التجربة المتكاملة فتصنع وجهة سياحية تبقى حاضرة في الذاكرة وتتحول إلى قوة اقتصادية تمتد آثارها لأجيال متعاقبة.

علي بن عيضة المالكي

كاتب رأي

علي بن عيضة المالكي

كاتب رأي وإعلامي

تعليق واحد

  1. مقال أكثر من رائع يسهم في تسليط الضوء على السياحة في بلادنا والاستثمار فيها لتكون أحد روافد الاقتصاد وانعكاس لرفاهية وجودة الحياة ضمن رؤية سيدي ولي العهد حفظه الله
    شكراً لكم أستاذ علي وكأنك كتبت مانود قوله وبعون الله سنرى هذا الحلم يتحول إلى واقع نعيشه ولا سيما أن كل مقومات تحقيق ذلك ممكنة و مرتفعاتنا السياحية من الطائف المأنوس امتداداً حتى الباحة ثم إلى أبها البهية هي منتجعات سياحية على امتداد جغرافية الوطن الكبير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.