نحن طويق.. ولن ننحني

نحن طويق.. ولن ننحني
محمد الفريدي
نحن طويق، ومن يتوهّم أن حملات التشويه ستهزّنا، فليستعدّ لخيبة أمل طويلة؛ فنحن شعب يعرف قيمة دولته، ويصون عهده لقيادته، ويدرك أن هذا الوطن لم يصل إلى مكانته بالمصادفة، وأن حمايته مسؤولية نحملها بوعي، ونؤديها بثبات، ولا نساوم عليها مهما ارتفع النعيق وتكاثر الاستفزاز.
لقد ضقنا ذرعًا بهذه الوقاحة التي تجعل بلادنا متهمة قبل وقوع الحدث، ومدانة قبل سماع موقفها، ومطالبة بالتبرير حتى حين تكون مستهدفة؛ نقرأ العنوان فنعرف الحكم مسبقًا.
ونسمع السؤال فنفهم غرضه، ونتأمل اختيار الضيوف فنكتشف اتجاه الحلقة، ثم يخرج علينا أصحابها بوجوه جامدة، يحدّثوننا عن المهنية والحياد وأمانة الكلمة ونزاهة الطرح.
أيّ حياد هذا الذي يستنفر عند نشر أخبار عن المملكة، ثم يُصاب بالعمى أمام الوقائع التي تفضح أصحابها؟ وأيّ مهنية تبحث عن زلّاتنا بالمجهر، وتتجاوز كوارث الآخرين بأخفّ العبارات؟
لقد سئمنا هذا الميزان الأعوج، وسئمنا من يطالبنا باحترام منصات تتخذ من الانتقاص من بلادنا طريقًا إلى الشهرة وجمع المتابعين.
نحن أمام خطاب تتغير عناوينه، ويبقى استهداف مملكتنا حاضرًا فيه؛ مرة يتدثر بالسياسة، ومرة يرتدي عباءة الدين، ومرة يتحدث باسم الحقوق، ومرة يزعم الدفاع عن الشعوب.
تختلف لغاته، وتتبدل وجوهه، وتتعارض منطلقاته، ثم نرى أصواتًا منه تلتقي عند الرغبة في إحباطنا، وتشويه دولتنا، وإضعاف ثقتنا بمستقبلنا ووحدتنا الوطنية الراسخة.
لكن السعودية ليست ساحة مباحة لتصفية حساباتكم، ونحن لن نقابل إهانتنا بالتصفيق؛ لنا دولة نعتز بها، وقيادة نثق بها، ووطن نعرف حقه علينا.
ولسنا مضطرين إلى استئذان أحد كي نفرح بمنجز، أو نحتفي بمشروع، أو نختار الطريق الذي نراه أصلح لحياتنا ومستقبل أبنائنا وبناتنا في بلادنا.
وما يُثير غضبنا أكثر أن بعضهم يسعى إلى جعلنا تابعين له، محكومين بمزاجه، مستعدين للاعتذار عن نجاحنا؛ فإن افتخرنا بوطننا اتهمونا، وإن دافعنا عن قيادتنا سخروا منا.
وإن رفضنا إساءتهم وصفونا بالتشنّج؛ يريدون أن يمرّغوا كرامتنا في التراب ويحددوا حدود ردّنا، وأن يشوّهوا صورة دولتنا ويعلّمونا آداب الرد على التشويه والطعن والتجريح.
لا، لن نمنحكم هذا الامتياز، ولن نسمح بأن تتحول مشاعرنا إلى ملعب لمغامراتكم؛ نحن نعرف الفرق بين رأي يخالفنا وحملة تستهدفنا، وبين سؤال يبحث عن جواب وعنوان يصنع تهمة، وبين نقد يريد الإصلاح وتحريض يتمنى الفوضى.
ولن تخدعنا الكلمات المنمّقة حين تكون الرسالة واضحة، والغاية مكشوفة، والانحياز واضحًا في طرحكم؛ فقد سئمنا من يتستّر بالمهنية ليمرّر إساءته، ويرفع شعار الحياد ليخفي عداءه، ثم يطالبنا بتصديق مزاعمه واحترام طرحه، وكأننا عاجزون عن كشف أكاذيبه وفهم مقاصده.
نحن طويق العظيم حين نرفض أن يحدد الحاقدون علينا صورتنا عن أنفسنا، وحين نثق بأن قيمة بلادنا أكبر من شتيمة خاطفة أو تقرير منحاز.
لا نستمد اعتزازنا من رضاهم، ولا تتوقف خطواتنا على تصفيقهم، ولا نضع مستقبلنا في انتظار شهادة منهم؛ من اختار عداءنا لن نمنحه سلطة الحكم على كرامتنا ومكانتنا.
وهذا الصمود لا يأتي من فراغ؛ نحن نعرف معنى أن نعيش في وطن يجمعنا، ودولة تحفظ كياننا، ومؤسسات تتكفّل باستقرارنا.
نعرف أن الأمن الذي نطمئن إليه وراءه رجال يؤدون واجبهم، وتضحيات تستحق الوفاء، والتزامات لا تقبل العبث؛ لذلك نغضب حين يتعامل محرّض مع استقرارنا على أنَّه فرصة للمساومة والابتزاز.
ومن يفتّش بيننا عن ثغرة مذهبية أو قبلية أو مناطقية، فليسمعها بوضوح: لن نعطيك مفاتيح بيوتنا، ولن نجعل اختلافنا الداخلي جسرًا لوصايتك.
نحن نعرف وطننا، ونعرف أن أمن جارنا من أمننا، وأن حماية وحدتنا واجب مشترك؛ لسنا حصصًا تتقاسمها الدول والحركات، ولا تكتّلات تستجدي قوى أجنبية لتقرّر لها مصالحها وانتماءها.
نختلف في قضايا كثيرة، ونناقش خدماتنا، ونطالب بتحسين الأداء، ونغضب من التقصير، وهذه حقوقنا ومسؤولياتنا داخل وطننا؛ لكن من يتربّص بنا لن يجد في مطالبنا تصريحًا بالتدخل.
ولن نحوّل شكوانا إلى صحيفة اتهام لشعب كامل؛ نحن أقدر على معرفة حاجاتنا، وأولى بمعالجة أخطائنا، وأشدّ حرصًا على استقرار وأمن بلادنا.
ولا يحتاج ولاؤنا إلى إنكار أخطائنا، ولا تحتاج محبتنا إلى تزيين تقصيرنا؛ نحن نريد وطننا أفضل، ونطالب بذلك لأننا ننتمي إليه ونحرص على حاضره ومستقبله.
أما الذي يقتات على أخطائنا، وينتظر عثراتنا، ويفرح بما يؤلمنا، فلن نقبل ادعاءه الحرص علينا؛ الحريص لا يشمت بنا، ولا يكذب، ولا يزرع العداوة بيننا وبين دولتنا.
وقد مللنا من مزايدات تجعل الإساءة إلى مملكتنا وإلينا دليل شجاعة، وتجعل الدفاع عنها تهمة جاهزة؛ بأيّ منطق يصبح حبّنا لبلادنا موضع ريبة، بينما يُحتفى باعتزاز الآخرين بأوطانهم؟
ولماذا يريدون منا وحدنا أن نفصل كرامتنا عن كرامة دولتنا، وأن نستقبل الطعن في سيادتها بابتسامة تحت عنوان تقبّل الاختلاف، وكأن الاعتزاز بالوطن حق للجميع ومحظور علينا؟
نحن لا نساوم على قضايانا العادلة، ولا نكفّ عن احترام الشعوب، لكننا نرفض تحويل معاناتنا إلى وسيلة لابتزاز بلادنا، أو استغلال مواقفنا للإساءة إلينا والتشكيك في صدق نوايانا وثوابتنا.
من يريد نصرة مظلوم فليعمل لإنصافه، ومن يريد خدمة قضية فليبذل لها ما ينفعها؛ أما تعليق الفشل على وطننا، فلا يرفع ظلمًا، ولا يعيد حقًّا، ولا يصنع نصرًا لأحد.
ولن نعتذر عن نجاح سعودي يزعجكم، ولا عن شابة تحقق طموحها، ولا عن شاب يصنع فرصته، ولا عن مجتمع يرتقي وفق تطلّعاته، ويسعى إلى بناء مستقبله بإرادته المستقلة.
حياتنا ليست برامج حوارية تديرونها من استوديوهاتكم، وأحلام أبنائنا وبناتنا لا تنتظر موافقة أبواقكم؛ لدينا أعمال ننجزها، وديار نعمرها، ومستقبل نخطط له، ومسؤوليات أكبر من الانشغال بحقدكم علينا.
ومن يراهن على إنهاكنا بتكرار الأكاذيب، فليعلم أننا تعلّمنا قراءة هذه الأساليب؛ صورة قديمة تُستدعى، وعبارة مبتورة تُنشر، وواقعة فردية تُعمّم، ثم تُعاد الادعاءات حتى يظن صاحبها أن تكرارها سيمنحها قبولًا ومصداقيةً.
سنواجه ذلك بالأدلة، ونسمّي الافتراءات باسمها، ولن نترك سمعة بلادنا وشموخ طويق الذي يجسّد صمودنا تحت رحمة من يحترف تزوير الصورة وتضليل متابعيه، ويتوهّم أن نعيقه قادر على زعزعة ثقتنا بدولتنا وقيادتنا ووحدتنا.
وصمودنا يتجسّد في استمرار حياتنا وعملنا رغم محاولات التشويش؛ يذهب أبناؤنا إلى أعمالهم، ويواصل طلابنا تعليمهم، ويؤدي رجال أمننا واجباتهم، وتستمر مؤسساتنا في أداء مسؤولياتها.
تلك هي الرسالة التي تغيظ المحرّضين: شعب حتى في الحروب لا يترك مستقبله من أجل مهاتراتهم، ودولة تمضي في طريقها، ومجتمع يزداد وعيًا بما يُراد به وبوطنه.
ولن نسمح للانفعال أن ينهكنا في معارك يختارها غيرنا، غير أننا لن نجعل حكمتنا غطاءً للصمت عن الإهانة؛ للصبر قدر، وللاحترام التزام متبادل، وللكلمة مسؤولية يتحمّلها قائلها؛ من يحترمنا يجد احترامنا، ومن يتعمّد تشويه صورتنا سيجد منا ردًّا حازمًا؛ سنكشفه للعالم، ونحاصر ادعاءه بالحقيقة، ونحمي كرامتنا بثقة وثبات.
فليُبقِ أصحاب الوصاية أوامرهم لأنفسهم، وليواجه تجار التحريض عواقب تصريحاتهم، وليبحث المزايدون عن شعب آخر يصدّق أكاذيبهم؛ نحن نعرف من نكون، ونعرف ماذا نريد.
ونعرف أن قوتنا وقوة دولتنا في تماسكنا مع قيادتنا؛ هذا التلاحم عهد حفظناه ونحفظه في أوقات الرخاء والشدة، ومسؤولية نؤكدها بمواقفنا، وانتماء لا تستطيع حملة إعلامية أن تنتزعه منا.
نحن طويق، ولن نكون الحلقة التي تكسرونها، ولن نكون الشعب الذي ترهبون أبناءه من الدفاع عن وطنهم؛ سنظل نعمل ونبني وندافع، ونقف مع دولتنا وقيادتنا بثبات مهما تنوّعت أدوات الاستهداف.
ومن ينتظر انحناءنا سيطول انتظاره؛ فهذه بلادنا، وهذه كرامتنا، وهذا عهدنا: لن نترك وطننا لأكاذيبكم، ولن نَصْغُرَ كي يرضى الحاقدون من أمثالكم علينا.



أبو سلطان سلمت يداك على هذا الطرح القيّم الذي صيغ بروح وطنية عالية، وبروح جمعت بين الدبلوماسية الرصينة في الرد والثبات الصلب في الرد.
تميز طرحك بالدقة في ختيار الألفاظ، كذلك استخدمت في طرحك الرمزية والهوية.
شكرًا لك على هذا الطرح القيم، وإلى مزيد من الألق في طرح آخر.