كُتاب الرأي

عباقرة حفلات التوقيع

عباقرة حفلات التوقيع

محمد الفريدي

أَمَا آنَ لنا أن نكفَّ عن هذا العبث؟ أصبح الحصول على لقب (كاتب) عندنا أسهل من شرب الماء؛ يضع أحدنا اسمه على غلاف فاخر، ويستعرض شهاداته وألقابه في صفحة كاملة، وينتظر المديح، ثم إذا فتحنا كتابه، لم نجد فكرةً تستحق الوقوف عندها.

ومشكلتنا أنهم يريدون أن يُعاملوا في المحافل بوصفهم كُتّابًا كبارًا قبل أن يثبتوا للقراء استحقاقهم لهذا الوصف، ويُسوِّفون في كتابة ما يستحق القراءة إلى أجل غير مسمّى، ثم يطالبون الناس بتقدير هذا اللقب.

قد ترى شخصًا يعلن أنه كاتب، ويستقبل التهاني على صدور كتابه، ثم تبحث بين صفحاته عن فكرة واحدة جديدة ومفيدة، فلا تجد سوى سطور كثيرة تتزاحم دون أن تقول شيئًا.

وقد تجد صفحات متراكمة، وعناوين براقة، وصورًا أنيقة، ثم لا يبقى في ذهنك بعد القراءة سوى سؤال واحد: ماذا يريد أن يقول هذا؟ وهنا تنكشف حقيقة ما كتبه أمام قارئ نَهِم لا تنطلي عليه الزخارف والألقاب أبدًا.

الكتاب لا يمنح صاحبه عقلًا، والغلاف لا يصنع مضمونًا، وتوقيع الكاتب لا يجعل ما يكتبه جديرًا بالقراءة. هذه بديهيات واضحة، لكن بعضنا يعدّها إهانة؛ فاللقب عنده ليس أمانة، وإنما صنم يطالب الناس بالانحناء له.

يريد أن يُقدَّم بصفته كاتبًا، وأن يُعامل بوصفه صاحب رؤية، وأن تُعطى كلماته قيمةً لمجرد أنها خرجت من قلمه. أما أن يسأله أحد عن دليله، أو يناقش منطقه، أو يكشف ضعف حجته، فذلك عنده تطاول، لا مجرد سؤال وإبداء رأي.

الكتابة ليست بطاقة عضوية في نادٍ للنخبة، ولا امتيازًا يُمنح لمن جمع عددًا من المتابعين أو أموال أبيه بالملايين، أو نشر كتابًا بغلاف فاخر، أو جلس في الصف الأمامي خلال مناسبة ثقافية. الكتابة فعل يومي شاق، يضع الكاتب أمام قناعاته قبل أن يضعها أمام قرائه، ومن عجز عن إقناع قارئ، فلن تنفعه المسميات.

وعليه أن يعرف ماذا يقول، وأن يفهم ما يكتب، وأن يراجع ما يقدّمه للناس ألف مرة. ومن لا يحتمل أن يرى عيوب نصه فلن يتقدم خطوة واحدة، ولو أمضى عمره يطبع الكتب ويكرر الألقاب.

المشكلة أن بعض الراغبين في حمل صفة كاتب يريدون الشهرة قبل أن يتقنوا المهنة، ويطمحون إلى بلوغ مكانة مرموقة، ولكنهم يستثقلون أول خطوة، ويلهثون وراء حصاد سريع من أرض لم يبذروا فيها بذرة.

ويتهافتون على الدعوات والمنصات والتكريمات، ويتطلعون إلى أن تتصدر أسماؤهم الصحف ووسائل الإعلام، لكنهم لا يريدون الطريق الشاق الذي يصنع الألقاب: قراءة متأنية، واطلاع واسع، وتساؤلات صعبة، ومسودات تُكتب ثم تُمزَّق، وأفكار تُمَحَّص قبل أن تُعرض على الآخرين.

القراءة التي أقصدها ليست تكديس عناوين في ذاكرتنا ولا التقاط اقتباسات لتزيين كتاباتنا. القراءة الحقيقية مواجهةٌ مع عقول وتجارب ورؤى قد تهدم بعض ما اعتقدناه راسخًا، وقد ترسّخ ما كان آيلًا للسقوط. ولهذا، لا يبحث القارئ المتأمل عن جملة تؤيد رأيه فحسب.

فهو لا يفتح كتابًا لينتهي من قراءته مزهوًا بنفسه، وإنما يسأل، ويقارن، ويتوقف عند التناقض، ويبحث عن السياق، ثم يعود إلى قناعته ليرى إن كانت ما تزال صامدة أم سقطت عند أول اختبار.

ومع ذلك، لا تكفي القراءة وحدها. قد يقرأ كثيرًا، ثم لا يكتب سوى ملخصات باهتة لأفكار غيره، وقد يحفظ أسماء المفكرين من دون أن يَصُوغَ سؤالًا واحدًا من عنده.

وقد يكتب كل يوم، ثم يعيد الفكرة ذاتها بعبارات مختلفة، لأنه يتهرّب من مواجهة عيوبه. الكاتب يحتاج إلى عقل يتعلم، وتجارب توسّع مداركه، ولغة تقول شيئًا يستحق أن يُقال، وعمل لا يتوقف عند أول تصفيق.

والذي لا يحتمل النقد لا يصلح أن يطلب مكانًا له بين الكتّاب. ومن يطرح نصه على القراء يفسح المجال للسؤال والاختلاف، فلا يملك أن يطالب بحقه في النشر ثم يفرض علينا الإعجاب. ولا يحق له أن يصف كل تعقيب بأنه غَيْرَةٌ أو استهداف. ومن يريد التصفيق، فليبحث عن جمهور للمجاملة، لا عن قرّاء.

فهذه حيلة مكشوفة يختبئ خلفها صاحب النص الضعيف. النقد الموضوعي فرصة لإعادة النظر، والاعتراض الذي يكشف خللًا في الحجة ليس حربًا علينا. أما من يرفض كل نقاش، فهو لا يدافع عن نصه؛ وإنما يطالب بقبوله على عِلّاته.

وفي الجهة المقابلة، لا ينبغي أن نجعل الإعجابات مقياسًا لقيمة ما نكتب، وكثرة التفاعل لا تمنح نصنا عمقًا، وقلة القرّاء لا تثبت أيضًا أنه عمل عظيم، فقد ينتشر كلام سهل لأنه يدغدغ أهواء المتابعين، وقد يتأخر انتشار نص هادف لأنه يحتاج إلى وقت وتركيز.

غير أن هذه الحقيقة لا تمنحنا عذرًا لنصف قصورنا بأنه ناتج عن كوننا سابقين لعصرنا، ولا يحق لنا أن نعتبر كل نص لم يُفهم تحفةً ظلمها الناس. علينا أن نسأل أنفسنا بصدق: هل قصّرنا في إيصال الفكرة؟ هل غلّفنا المعنى بالغموض؟ هل كررنا ما قاله غيرنا؟ وهل كتبنا للناس أم كتبنا لِنَلْفِتَ الأنظار؟

لا تكفي الفكرة وحدها لتثبت في ذهن القارئ؛ فكل نتاج يكشف مقدار العناية التي بُذلت فيه، وحين تضعف حُجَجُهُ، يكشف ضعفها أول نقاش، وحين يطغى الحشو على المفيد، لا تنقذه فخامة الألفاظ.

وحين نقلّد أساليب غيرنا، نفقد أسلوبنا الخاص. الموهبة تمنحنا بداية الطريق، أما ما يمنح نصنا قوته فهو اكتساب المعرفة والممارسة والقدرة على اكتشاف مواضع الخلل قبل أن يكتشفها القرّاء.

لا أحد منّا بدأ متمكّنًا، وهذه ليست حجة للكسل ولا دعوة إلى الرضا بتدنّي المستوى. من حقنا، ما دمنا في أول الطريق، أن نكتسب الخبرة، وليس لنا حق أن نرفض صقل مهاراتنا ثم نطالب بمعاملة المحترفين. وقلّة خبرتنا لا تُسقط مسؤوليتنا عن الكلمات التي نقدّمها للناس.

فحقه في المحاولة لا يمنحه حصانة من النقد، ولا يجعل ضعف نصه ذنبًا يتحمله القرّاء، وعليه أن ينشغل بإصلاح مواضع الخلل أكثر من انشغاله بتفسير برودة تفاعلنا، أما أن يترك عباراته على عِلّاتها، ثم يتهمنا بالعجز عن فهمها، فذلك غرور يُعمّق عثراته ويُعطّل تقدّمه، ومن أراد التقدّم، فليتعلّمْ.

ولا يكفي أن ننشر كتابًا ثم نتصرف كأننا أنجزنا ما يعجز عنه الآخرون، فالكتاب الأول خطوة أولى في الطريق، لا شهادة تفوّق، ولا دليلٌ قاطعٌ على أننا صرنا كتّابًا مؤثرين؛ فقد ننجح في ملء صفحاته، ونعجز عن تقديم فكرة واحدة تمنحه قيمة تستحق الاهتمام.

وقد يكون محاولة متخبّطة لم تتبلور بعد، والمشكلة حين نرفض رؤية ذلك، ونعامل كل ملاحظة على كتابنا كأنها انتقاص من تاريخنا، مع أن تاريخنا كله قد لا يتجاوز بضع صفحات لم تجد طريقها إلى ذاكرة القارئ، فلا نطالبه بأن يحفظ أسماءنا، ونحن لم نقدّم له ما يستحق أن يتذكّره.

والكتابة لا تُقاس بعدد المرات التي نعتلي فيها منصة، ولا بعدد الصور التي تُلتقَط لنا في حفلات التوقيع، فهذه مناسبات تصنع وهجًا سرعان ما يتلاشى، لكنها لا تضمن أن وراءها مضمونًا قويًّا، وأي عبقرية هذه التي تظهر أمام عدسات المصوّرين، ثم تختفي حين نفتح الكتاب؟

قد يصفّق الحاضرون لنا مُجَامَلَةً، وقد يُشيد بنا الأصدقاء وفاءً، وقد تُتناقَل كلمات المديح بين معارفنا؛ لكن القارئ الذي يفتح الكتاب في خلوته لا يعرف تلك المجاملات، ولا يهمّه رضانا، فإما أن يجد ما يستحق القراءة، وإما أن يغلق صفحاته ويرمي به عرض الحائط.

والأشد غرابةً أننا صرنا نَلْهَثُ وراء مظهرنا أكثر من جوهرنا: صور أمام مكتباتنا، وخلفنا ديكور من مجلدات الكتب، وعبارات في منشورات لا يُفهم معناها، وألقاب تسبق أسماءنا، وأحاديث متكررة عن مشاريع كتب لن ترى النور.

سنوات تمر، والكتب رهينة الوعود، وأسماؤنا حاضرة في كل مناسبة، ونطالب بالاحتفاء بعمل لم يكتمل، فما الذي نريد من الناس أن يصفّقوا له؟ لفكرة لم يروها؟ أم لتعهّدات تتجدّد كلما سُئلنا عن موعد إصدار كتبنا؟

الكاتب لا يُقيَّم بإعلانه عن كتابه، وإنما بما يضيفه في أعماله اللاحقة؛ فكل إصدار يكشف تقدّمه أو تكراره لنفسه، وكثرة الكتب ليست إنجازًا إن خلت من الإضافة، أما من يظل يستدعي كتابًا واحدًا في كل مناسبة ليثبت مكانته، فهو يعلن عجزه عن تجاوز ما كتب.

لذلك، لا ننتظر أن يمنحنا الناس صفة كاتب، ولا نعلّق اللقب على صدورنا ثم نطالبهم بالتصفيق؛ نكتب حتى تصبح لنا بصمة خاصة ، ونقرأ للمبدعين حتى لا نظن أن الإبداع بدأ بنا، ونصحّح أخطاءنا حتى لا تتحول ثقتنا بأنفسنا إلى جدران تحجب عنا عيوبنا.

الألقاب وأغلفة الكتب الفاخرة وحدها لن تضيف إلى مكتبة الملك فهد الوطنية كتبًا تستحق القراءة، ولن تمنح القارئ سببًا لمتابعة ما نكتب، والمكتبات لا ينقصها إصدار يحمل اسمًا جديدًا، وإنما مضمون يستحق أن يُقرأ.

قد نحمل لقب كاتب سنوات طويلة، ثم لا نترك وراءنا سطرًا واحدًا يستحق أن يتذكره القارئ، وقد نبدأ متأخرين، ونكتب نصًّا صادقًا يفتح نافذة في عقل من يقرأ لنا، وتميّزنا لا يتحقّق إلا بصدقنا فيما نكتب، لا بالصور ولا بكلمات المديح ولا بعدد النسخ.

بأي حق نطالب القارئ بتقديرنا إن لم نحترم عقله، ونتعب من أجل ما نقدّمه له، ونعترف بأخطائنا؟ ما لم نفعل ذلك، فلن تتجاوز مسمّياتنا حدود الورق الذي طُبعت عليه، ولن يجد في نصوصنا ما يدلّ على جدارتنا بألقابنا.

لن تمنحنا ألقابنا مكانة تعجز نصوصنا عن إثباتها، ولن يقرأ الناس كتبنا بعيون أصدقائنا الذين يجاملوننا؛ والقارئ ليس مُلزَمًا بالإعجاب بنا، ولا تعنيه أسماؤنا التي تتصدّر الأغلفة ما لم يجد وراءها ما يستحق اهتمامه، فإما أن نكسب احترامه بما نطرحه، وإما أن نعترف بأننا انشغلنا بتلميع صورتنا حتى نسينا كيف نكتب.

كاتب رأي

محمد الفريدي

رئيس التحرير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.