لا تتحدثوا باسمنا

لا تتحدثوا باسمنا
محمد الفريدي
نحن لا نرفض الحوار، ولا نخشى النقد، ولا نغلق آذاننا أمام أي رأي مختلف. لكننا نرفض أن يأتي إلينا من يعيش بعيدًا عن واقعنا ليحدثنا عنه، وأن يصنع صورة عن مجتمعنا لا نعرفها، ثم يطالبنا بتصديقها لأنها خرجت من منصته أو من بثه المباشر.
نحن نعرف وطننا أكثر من الذين يتحدثون عنه من الخارج، ونعرف مشكلاتنا وإنجازاتنا. ونعرف أن طريقنا لم يكن مثاليًا في كل شيء، ولن يكون، وأن هناك دائمًا ما يحتاج إلى تصحيح وتطوير. لكن الفرق كبير بين من ينتقد لأنه يريد البناء، ومن يتصيد النقائص ليصنع منها دليلًا على أن الوطن يسير في الاتجاه الخطأ.
لا نرفض أن يسأل أحد، ومن حقنا أن نسأل أيضًا: من منح هؤلاء حق الحديث باسمنا؟ ومن قال إن كل صامت مؤيد لهم، وكل من لا يخرج ليصرخ في الشوارع خلفهم خائف من (الجمس الأسود) أو عاجز عن التعبير؟
لسنا بحاجة إلى من يتتبع مواطن الخلل لدينا عبر شاشة جواله، ولا إلى من يقدم نفسه وصيًا على وعينا ومستقبلنا. فنحن أبناء هذا الوطن، نعيش يوميًا أدق تفاصيله، ونعرف ما تغير فيه، وحجم ما تحقق، وما يحتاج إليه من مزيد من التضحية والعمل.
وعندما نتحدث عن التصحيح، فإننا لا نقصد تصحيحًا تصنعه حسابات مجهولة، أو تكتلات منعزلة، أو أصوات قررت أن تنصّب نفسها متحدثة بالنيابة عنا. فالتصحيح الحقيقي لا يصنع في غرف بعيدة عن مجتمعنا، ثم يقدم لنا باعتباره توجهنا.
أما (الخصوصية) التي يتحدثون عنها، فنسأل: خصوصية من؟ ومن الذي اتفق عليها؟ وما أهدافها؟ ومن يمثلنا فيها؟ إذا كانت الغاية خدمة الوطن والمواطن، فالطريق واضح: الحوار المسؤول، والشفافية، والمشاركة، والعمل من الداخل؛ لا استغلال مشكلاتنا من الخارج وتحويلها إلى مادة سياسية وإعلامية وتحريضية.
نحن لا نخاف من النقد، لكننا نميز بين النقد والتحريض. ولا نخشى الحوار، لكننا نرفض أن يتحول إلى وسيلة لتمرير أهداف أخرى. ولا نرفض الاختلاف، لكننا نرفض أن يتحول إلى كراهية للوطن، وتشكيك في مؤسساته وقيادته، أو إنكار لكل ما تحقق.
إن الوطن ليس ملكًا لمن يرفع صوته أكثر، ولا لمن يملك عددًا كبيرًا من المتابعين، ولا لمن يقضي ساعات طويلة في الحديث عن المؤامرات عليه في الغرف المغلقة، ولا للأغنياء وحدهم الذين يرون أن كل شيء فيه لهم. الوطن لنا جميعًا، ومستقبله لا يصنعه من يقف بعيدًا ويراقب، وإنما من يعمل فيه بإخلاص ويتحمل مسؤوليته.
لهذا نقول لهم بوضوح: إذا كنتم تريدون الحوار، فنحن لا نرفض الحوار، وإذا كنتم تريدون النقد، فنحن لا نخشى النقد. أما إذا كان المطلوب منا أن نتخلى عن ثقتنا بوطننا وقيادتنا، وأن ننظر إلى كل إنجاز بعين الشك والريبة، وأن نصدق أنكم وحدكم تملكون الحقيقة، فهذا ما لن نقبله أبدًا؛ فمن حقنا أن نختلف معكم، ومن حقنا أن نثق بوطننا، ومن حقنا أن نرى ما تحقق فيه دون أن يفرض علينا أحد كيف ننظر إلى واقعنا أو ماذا نعتقد بشأن مستقبله.
نحن لا نريد أن نصنع منكم أعداء، ولا نبحث عن معركة مع أحد، لكننا أيضًا لن نسمح لأحد بأن يصادر صوتنا أو يتحدث باسمنا. فأنتم لستم نحن، ولن تكونوا أقدر منا على معرفة ما نريده أو تحديد ما يناسبنا.
نحن نعيش هنا، ونرى بأعيننا، ونعرف ما يدور حولنا، ونملك الحق في أن نختلف مع من يخالفنا، ونملك الحق في ألا نرى وطننا بالعين التي تريدون منا أن نراه بها. نحن من يعيش هنا، ويعمل هنا، ويربي أبناءه هنا، ويرى وطنه يتغير أمامه كل يوم إلى الأحسن، ويموت هنا؛ ونحن الأقدر على معرفة ما نريده لوطننا وما نحتاج إليه، لا من اختار أن ينظر إلينا من خلف الشاشات، ثم يزعم أنه يعرف عنا أكثر مما نعرف عن أنفسنا.
لا يحسم واقعنا كثرة المقاطع ولا ارتفاع الأصوات؛ فالأيام هي التي تكشف النوايا، والنتائج هي التي تحكم علينا، والتاريخ لا يرحم من يتحدث باسمنا دون أن نفوضه، والزمن كفيل بفضح من يسعى إلى تحقيق مصلحته، ومن يتخذ من قضايانا وسيلة لتحقيق غاياته.
الأوطان لا تُبنى بتضخيم الأخطاء، ولا بتحويل كل مشكلة إلى دليل على الفشل، ولا بزرع اليأس في نفوس الناس وتصوير المستقبل وكأنه طريق مسدود. ومن السهل أن نصنع محتوى يثير الغضب ويحصد ملايين المشاهدات، لكن الأصعب أن نقدم رؤية واقعية، وأن نحول النقد إلى وعي، والوعي إلى عمل، والعمل إلى نتائج حقيقية.
نحن نعرف أن لدينا تحديات، وأن الطريق أمامنا ليس خاليًا من المطبات، وأن بعض القرارات تحتاج إلى إعادة نظر، وبعض المؤسسات تحتاج إلى تطوير، وبعض المشكلات تحتاج إلى من يتحدث عنها بصراحة. لكن الفرق كبير بين من يسلط الضوء على المشكلة بحثًا عن حل، ومن يضخمها حتى تصبح وسيلة لنشر الإحباط واليأس.
ومن السهل أن نجلس خلف الشاشات، ونبحث عن حوادث وأخطاء وقصص فردية، ثم نقدمها للعالم وكأنها صورتنا الحقيقية، ونقتطع جزءًا من الحقيقة ونترك بقيتها؛ لأن الصورة الكاملة لا تخدم الرسالة التي نريد إقناع الناس بها. فلا تعني الإنجازات أننا بلا مشكلات، ولا يعني وجود المشكلات أننا نسير في الطريق الخطأ. نرفض التفكير الذي لا يرى إلا الأبيض أو الأسود؛ لأن واقع الأوطان أكثر تعقيدًا من أن يُختصر في عبارات رنانة ومقاطع مختصرة.
ونقول للمعارضين: إن كنتم تختلفون معنا، فهذا شأنكم، لكن لا تحوّلوا اختلافكم معنا إلى محاولة لإقناعنا بأننا لا نرى ما نعيشه، ولا تصوّروا كل من لا يتفق معكم على أنه مخدوع، ولا تجعلوا أنفسكم المقياس الوحيد للنضج، وكأن الحقيقة لا توجد إلا في المكان الذي تتبطحون فيه في الغرب.
نحن نملك عقولنا، ونستطيع أن نقرأ ونقارن ونحكم، ولسنا بحاجة إلى من يخبرنا كل يوم بماذا نشعر، ومن نؤيد، ومن نرفض، وكيف ننظر إلى وطننا.
والأهم من ذلك كله أن حب الوطن لا يعني أن نغلق أعيننا عن أخطائه، والحديث عن الأخطاء لا يمنح أحدًا الحق في احتكار الوطنية وتوزيع صكوك المواطنة علينا.
نحن نريد صوتًا مختلفًا، لكننا نريده صادقًا. ونريد نقدًا، لكننا نريد معه حلًا. ونريد من يلفت انتباهنا إلى المشكلة، لا من يحولها إلى وسيلة لتأجيج الغضب. ونريد من يختلف معنا وهو حريص على وطنه، لا من يجعل كل حديث عن الوطن فرصة عظيمة لتصفية حساباته.
لسنا مطالبين بأن نثبت ولاءنا كل يوم لأحد، ولا يملك أحد الحق في أن يفرض علينا تصوره لمستقبلنا. نحن من نختار طريقنا، ونتحمل مسؤولية اختياراتنا، ونناقش قضايانا، ونعرف أن وطننا لا يُبنى بالكلمات وحدها.
قد يختلف معنا كثيرون، وقد تستمر الأصوات المتعالية في الحديث عنا، لكن الحقيقة تبقى أبسط من كل ذلك: نحن لسنا شعبًا ينتظر من يقرر عنه، ولسنا مجتمعًا يحتاج إلى من يملؤه بالأفكار والشعارات الفارغة؛ نحن أبناء هذا الوطن، والأقدر على أن نقرر كيف نراه، وكيف نختلف معه، وكيف نصلحه، وكيف نحمي مستقبله.
والأيام كفيلة بأن تكشف الفرق بين من يتحدث لأنه يريد الخير لنا، ومن يتحدث لأن له غاية أخرى. أما التاريخ، فهو لا يحفظ عدد المتابعين، ولا عدد المعارضين، ولا عدد المقاطع، وإنما يحفظ من كان حاضرًا عندما احتاج الوطن إلى الدفاع عنه، لا إلى الصخب والاستعراض والمهاترات؛ فالمواقف الصادقة تبقى في ذاكرة الوطن، أما الجعجعة فتطويها الأيام.
لا نطلب من أحد أن يصفق لنا، ولا ننتظر من معارضي الخارج شهادة على وطنيتنا؛ لأن علاقتنا بوطننا أعمق من أن تختزلها منصة أو يحددها صوت حاقد. نحن نعرف قيمة الأرض التي ننتمي إليها، ونعرف معنى الأمن والاستقرار، ونعرف حجم التحولات التي شهدتها بلادنا، ونرى بأعيننا ما تحقق وما يتشكل أمامنا كل يوم.
نحن أبناء وطن له تاريخ راسخ، وحاضر يتغير، ومستقبل نصنعه بإرادتنا وعملنا، ولن نسمح لأحد أن يحوّل اختلافنا إلى تشكيك في انتمائنا، أو أن يجعل من صمتنا اعترافًا، ومن تباين آرائنا دليلًا على قصورنا في الفهم، ومن ثقتنا بوطننا دليلًا على أننا لا نفكر؛ فالثقة بوطننا لا تعني أن نتخلى عن حقنا في التفكير وإبداء الملاحظات والاختلاف.
ومن حقنا أن نختلف مع من يريد أن يرسم لنا صورتنا على مزاجه، وأن نقول له بكل وضوح: أنت لا تتحدث باسمنا؛ أنت تملك رأيك، ونحن نملك عقولنا. تستطيع أن تنتقد، لكنك لا تستطيع أن تصادر قرارنا، وتستطيع أن تختلف، لكنك لا تستطيع أن تجعل اختلافك حقيقة ملزمة لنا.
ولن نقبل أن تتحول منصات التواصل إلى مجالس وصاية علينا، ولا أن يصبح عدد المتابعين دليلًا على تفويض شعبي حقيقي، ولا أن تتحول كثرة التكرار إلى أمر مسلّم به. نحن نزن الكلام بميزان الواقع، ونقيس الادعاءات بما نراه ونعيشه، ولا نمنح أحدًا حق تمثيلنا دون تفويض.
هذه بلادنا، وهذه قصتنا، وهذا مستقبلنا. نختلف في التفاصيل، ونتفق في حب الوطن، ونختلف في الرؤى، لكننا نعرف أن مستقبل مملكتنا لا يُكتب في بث مباشر، ولا يُقرر في مقاطع مصورة، ولا ترسم ملامحه حسابات مجهولة.
مستقبلنا يصنعه أبناؤنا وبناتنا في مدارسهم وجامعاتهم ومواقع عملهم ومشاريعهم ومؤسساتهم. يصنعه الطبيب في مستشفاه، والمهندس في موقعه، والمعلم في فصله، والطالب في جامعته، والجندي في موقعه، والموظف في عمله، وكل مواطن يضيف لبنة في هذا البناء العظيم.
ولهذا، فإن ما نؤكده ليس غضبًا من أحد، وإنما تأكيد على حقنا في أن نكون أصحاب القرار في هويتنا، وأصحاب الكلمة الأخيرة في مستقبلنا، وأصحاب الحق في تقييم تجربتنا بأنفسنا.
لسنا بحاجة إلى وصاية أحد؛ لأننا نملك وطنًا نعرفه، وقيادة نثق بها، ومستقبلًا نريد أن نصنعه بأيدينا. ومن أراد أن يحاورنا فليحاورنا باحترام، ومن أراد أن ينتقدنا فليقدم نقدًا صادقًا وبالدليل، ومن أراد فقط أن يعارضنا فليعارض كما يشاء.
فنحن هنا، نرى وطننا، ونعيش تفاصيله، ونعرف تحدياته وإنجازاته، ونحمل مسؤولية مستقبله. وهذا الوطن لنا، ولا يملك أحد حق مصادرة قرارنا فيه. وموقفنا نابع من معرفتنا به ومسؤوليتنا عنه، ومن يتحدث باسمنا دون تفويض لا يمثل إلا نفسه.
أبناؤه هم الأعرف بحاجاته، والأقدر على حمل مسؤوليته. ولن يكون مستقبلنا موضعًا لوصاية من لا يعيش ما نعيشه. نحن من نرسم ملامح الغد بإرادتنا وعملنا. ومن أراد أن يبدي لنا رأيه، فليخاطبنا بصدق واحترام؛ ومن أراد فرض وصايته علينا، فليضرب رأسه في البلاط.
كاتب رأي


بوركت أ محمد على هذا المقال الباذخ جمالا
قلت ما يود قوله كل سعودي محب لوطنه
كاتبنا المبدع دوماً ، جزاك الله خيرا على لما أشرت له ،
بالمقال عن وضع مجتمعنا السعودي وتطلعاته ، ووصفاته
لله درك وكتب الله أجرك عما ذكرت عن الوطن والمواطن
وعن حكومة بايعناها ، ونتعبد لله بالولاء والطاعة الاسلامية
ومن ينعق من الخارج او يحاول الوصاية في غنى عنه وارائه
وفقك الله ، وجعل ما تكتب بميزان حسناتك سعادة الكاتب المميز ابوسلطان الأخ محمد الفريدي