أقلام تنحني.. وكتّاب يتسوّلون

أقلام تنحني.. وكتّاب يتسوّلون
محمد الفريدي
أخطر ما يمكن أن يحيط بأي مسؤول ليس خصومه ولا من ينتقدونه، وإنما أولئك الذين يحاصرونه بالمديح، ويقنعونه صباح مساء بأنه لا يخطئ، وأن قراراته كلها صائبة وحكيمة وفي محلها، وأن إنجازاته لا مثيل لها على وجه الأرض.
ويزرعون في ذهنه أن كل من ينتقده حاقد أو جاهل أو صاحب هوى أو حسود. هؤلاء لا يحمونه، وإنما يحجبون عنه الحقيقة، ويبنون حوله جدارًا من الوهم، حتى يصبح عاجزًا عن رؤية الخلل، ولو كان أمام عينيه.
وما يثير الغضب فعلًا أن يصل هذا التطبيل إلى بعض الكتّاب، فيُهان القلم على أيديهم، وتتحول الكتابة القائمة على المبادئ واحترام عقل القارئ إلى نشرة مديح ووسيلة للنفاق والتقرب من مسؤول لم يفعل أكثر من واجبه.
أي كتابة هذه؟ وأي احترام للقارئ يبقى عندما يصبح همّ الكاتب أن يُدعى إلى مجلس أو وليمة، أو أن يلتقط صورة بجوار مسؤول، أو أن تُفتح له الأبواب الموصدة على مصراعيها؟ وقد يصل الأمر ببعضهم إلى اختلاق إنجازات للمسؤول من خيالهم، وتجميل تقصيره، والدفاع عنه، ما دام ذلك يقرّبهم منه ويحقق لهم ما يبحثون عنه من مصالح ومنافع.
نحن لا نحتاج إلى هذا النوع من الكتابة، ولا إلى مسؤولين يصفق بعضهم لبعض؛ فنحن نعيش مشروعًا وطنيًّا ضخمًا في دولة تتغير بسرعة، ولدينا قيادة شابة وضعت أهدافًا كبيرة لا مكان فيها للمجاملات التي كنا نُخفي بها أخطاءنا.
ومن يعتقد أن خدمة الوطن تعني أن نُصَفِّقَ لكل شيء، ونَمْدَحَ كل مسؤول، ونَسْكُتَ عن كل تقصير، لم يفهم معنى المسؤولية ولا معنى الوطنية. الوطن لا يخدمه من يقول إن كل شيء فيه جميل، وإنما يخدمه من يرى الجميل فَيَدْعَمُهُ، ويرى الخطأ فَيَكْشِفُهُ، ويرى التقصير فَيُطَالِبُ بتصحيحه، ويضع يده على المشكلة قبل أن تكبر؛ أما من يرى الخلل ثم يغطيه بعبارات المديح خوفًا على مصالحه، فلا يحق له بعد ذلك أن يدّعي الدفاع عن مصلحة الوطن.
والغريب أن بعض الكتّاب بدأوا مسيرتهم وهم يهاجمون التطبيل والمجاملات، ويتحدثون عن استقلال الكلمة وشجاعة الرأي، ويطالبون بالشفافية والمحاسبة. حتى إذا اقتربوا من مسؤول، أو دُعوا إلى مجلس، أو أصبح اسمهم معروفًا لدى أصحاب المناصب، تغيرت لغتهم، واختفت شجاعتهم، وأصبح المسؤول الذي كانوا ينتقدون أداءه بالأمس قائدًا استثنائيًا بين ليلة وضحاها!
فماذا تغير؟ هل تغير المسؤول؟ أم تغير الكاتب؟ وهل تحسن الأداء فعلًا؟ أم أن المسافة بين الكاتب ومكتب المسؤول أصبحت أقصر؟
هنا تظهر حقيقة الأقلام؛ فالكاتب لا يُختبر عندما يكون بعيدًا عن المصالح، وإنما عندما تقترب منه، ولا تُقاس شجاعته عندما ينتقد مسؤولًا لا يعرفه، وإنما عندما يكون ثمن النقد حرمانه من دعوة أو علاقة أو منفعة. عندها نعرف من يملك رأيًا، ومن يملك قلمًا يتغير اتجاهه كلما تغيرت مصالح صاحبه.
ومن حقنا أن نشيد بمسؤول ناجح، ومن واجبنا أن ننصف الإنجاز؛ فالإشادة بإنجاز حقيقي ليست عيبًا، وإنصاف مسؤول نجح في عمله واجب مهني وأخلاقي. لكن هناك فرقًا هائلًا بين الإنصاف والتطبيل: أن نقول للمحسن: أحسنت، أمر طبيعي، أما أن نجعل كل خطوة إنجازًا تاريخيًا، وكل اجتماع حدثًا استثنائيًا، وكل تصريح رؤية عبقرية، وكل مسؤول نموذجًا لا يتكرر، فنحن لا نمارس الكتابة، وإنما نمارس وظيفة أخرى لا علاقة لها بالرأي واستقلال الكلمة.
وقد أصبحنا نقرأ عبارات مديح لو قرأها المسؤول نفسه ربما خجل منها، ويصر بعضنا على تصوير مسؤول يؤدي واجبه المعتاد وكأنه ابتكر أسلوبًا جديدًا في العمل الإداري، لمجرد أنه افتتح مشروعًا، أو حضر مناسبة، أو عقد اجتماعًا، أو نفذ مهمة من صميم عمله، ويتقاضى راتبه مقابل أدائها.
لقد أفسد التطبيل قيمة المديح نفسه؛ فعندما يصبح كل شيء عظيمًا، لا يعود للعظمة معنى، وعندما يصبح كل مسؤول استثنائيًا، لا تعود للاستثناء قيمة. وعندما يتحول كل عمل عادي إلى إنجاز تاريخي، فإننا لا نرفع قيمة المسؤول، وإنما نفرغ الكلمات من معانيها ونستخف بعقل القارئ.
والمشكلة ليست في الكلمات وحدها، وإنما فيما تصنعه عندما تتكرر؛ فهي تبني حول بعض المسؤولين بيئة لا يسمعون فيها إلا الثناء. وكلما اقترب منهم شخص صادق وأخبرهم بوجود خلل، وجد حولهم جيشًا جاهزًا لإقناعهم بأن المشكلة ليست في الأداء، وإنما في الذي تَجَرَّأَ وانتقدهم؛ فيتحول المنتقد إلى متهم، وَالْمُقَصِّرُ إلى ضحية، وَالْمُطَبِّلُ إلى مخلص.
هذه معادلة مقلوبة لا تبني مؤسسة، ولا تحمي مسؤولًا، ولا تخدم وطنًا؛ والأسوأ أن استمرارها يجعل قول الحقيقة مكلفًا، ويصبح المديح الرخيص أقصر الطرق إلى الأبواب والمكاتب والمجالس والعلاقات.
والتطبيل لا يسكن في أقلام بعض الكتّاب فقط، فقد يدخل مكاتب المسؤولين أنفسهم، وهنا يصبح أكثر خطورة؛ عندما يعرف مسؤول في مستوى إداري أدنى أن هناك مشكلة حقيقية، لكنه يخشى أن ينقلها إلى المسؤول الأعلى. فيزين الأرقام، ويقلل من حجم الإخفاق، ويختار من التقارير ما يرضيه، ثم يصعد التقرير من مكتب إلى آخر، حتى تصل المشكلة إلى صاحب القرار وقد تحولت من فشل إلى إنجاز!
من الذي يخدم المسؤول هنا؟ هل هو الذي يقول له الحقيقة ولو كانت قاسية، أم الذي يخدعه بتقرير جميل؟ المسؤول الذي يقدم لرئيسه صورة غير حقيقية عن أداء إدارته لا يحمي نفسه ولا رئيسه، وإنما يؤجل اكتشاف الفشل، وعندما تظهر الحقيقة تكون الخسارة كبيرة، وتبدأ الأسئلة: من كان يعرف بالمشكلة؟ ومن أخفاها؟ ومن جَمَّلَ الواقع؟ ومن صفق للنجاح المزيّف؟
الأوطان لا تُدار بالمجاملات، والمؤسسات لا تتطور بالتصفيق، والأخطاء لا تزول لأننا توقفنا عن الحديث عنها. المسؤول يحتاج إلى الحقيقة، وإلى من يقول له أخطأت عندما يخطئ، وأحسنت عندما يحسن؛ أما أن تكون كلمة (أحسنت) جاهزة قبل أن يبدأ العمل، وأن تكون عبارات المديح مكتوبة قبل ظهور النتائج، فهذا ليس ولاءً، وإنما إلغاء للعقل وإهانة لمعنى المسؤولية.
والأكثر سوءًا أن بعض الْمُطَبِّلِينَ يرفعون راية الوطنية لحماية مصالحهم، فإذا انتقد كاتب تقصير جهة أو أداء مسؤول، حاولوا تصوير النقد وكأنه إساءة للوطن، وكأن المسؤول أصبح هو الوطن، ونقد أدائه تجاوز للثوابت الوطنية.
وهذا خلط مرفوض؛ فالوطن أكبر من أن يُختصر في مسؤول، والمنصب ليس حصانة تحمي صاحبه من النقد، والجهة الحكومية ليست ملكية خاصة لمن يديرها. المسؤول وُضع لخدمة المواطن، والكاتب الذي يكشف تقصيره ويطالب بإصلاحه يخدمه أكثر من عشرة كتّاب يصفقون له، ويملؤون الصحف والمنصات بمديح لا يصحح خطأً ولا يعالج تقصيرًا.
ولا أفهم كيف يمكن أن نطالب بالكفاءة والشفافية والمحاسبة وتحسين الأداء، ثم نصنع بأيدينا ثقافة معاكسة تقوم على المديح وإخفاء الأخطاء والخوف من المساءلة؛ وكيف نطالب المسؤول بالنجاح، ثم نحجب عنه أسباب الفشل، ونتحدث عن التطوير، ثم نغضب ممن يكشف لنا مواضع الخلل؟
ومن يعتقد أن المسؤول يحتاج إلى التطبيل يسيء إليه قبل أن يمدحه؛ لأنه يصوره شخصًا لا يحتمل النقد، ولا يريد سماع الحقيقة، ولا يقبل إلا الثناء. ومن يثق بعمله لا يخاف من سؤال، والناجح لا تهزه ملاحظة، ومن يملك إنجازًا حقيقيًا لا يحتاج إلى جيش من الكتّاب لإقناع الناس بأنه ناجح.
الإنجاز يتحدث عن نفسه، والناس لم تعد تقبل كل ما يُكتب لها؛ فالمواطن يرى النتائج، ويقارن الخدمات، ويعرف ما يحدث حوله، ويستطيع أن يُمَيِّزَ بين ما يراه بعينه وما يحاول البعض تسويقه له بالكلمات. لذلك فإن الكاتب الذي يحاول إقناع الناس بأن التقصير إنجاز لا يخدعهم، وإنما يخسر احترامهم ويهدم مصداقيته بيده.
وأنا أرفض هذا النوع من الكتابة، وأرفض أن يُهان القلم بهذه الصورة. من أراد رضا المسؤول فليبحث عنه بعيدًا عن الصحافة، ومن أراد مقعدًا في مجلسه فلا يجعل القارئ سُلَّمًا يصعد عليه، ومن أراد صورة بجوار صاحب منصب فلا يحول مقاله إلى صفقة مديح ثمنها احترام الناس له. الصحافة ليست بابًا خلفيًا للمصالح، والكاتب ليس مندوب علاقات عامة لدى المسؤول.
ومن المؤسف أن يتحول بعض الكتّاب إلى باحثين عن رضا المسؤول أكثر من حرصهم على احترام القارئ وحفظ كرامتهم؛ فيكتبون للمكاتب لا للناس، وينتظرون اتصال الشكر أكثر مما ينتظرون أثر المقال، ويحسبون نجاحهم بعدد الدعوات والصور والعلاقات، لا بعدد القضايا التي أثاروها والمشكلات التي أَسْهَمُوا في حلها.
وهنا يموت الكاتب حتى لو بقي اسمه حاضرًا؛ فالقلم الذي يخاف من خسارة دعوة أكثر من خوفه على الحقيقة فقد قيمته، والكاتب الذي تتغير مواقفه كلما تغيرت مصالحه لا تنقصه البلاغة، وإنما تنقصه الكرامة. ومن يبيع استقلال قلمه من أجل مقعد قريب من مسؤول، فلا يُحَدِّثْنَا بعد ذلك عن شجاعة الكلمة وأمانة الطرح.
وفي المقابل، نحن لا نريد كاتبًا يعارض كل شيء حتى يُثْبِتَ شجاعته؛ فالنقد الدائم ليس شجاعة، والمديح الدائم ليس وطنية. نريد قلمًا عادلًا يقول للمحسن: أحسنت، وَلِلْمُقَصِّرِ: قَصَّرْتَ، ولا تتغير كلماته بتغير الأشخاص، ولا تصبح أخطاء صديقه اجتهادات، وأخطاء من يختلف معه كوارث.
ونريد مسؤولًا لا يجمع حوله من يقولون نعم، وإنما يبحث عمن يجرؤ على قول لا عندما تستحق أن تُقال، ويعرف أن التقرير الذي يزعجه اليوم قد ينقذه غدًا، وأن الموظف الذي يكشف له الخطأ أكثر إخلاصًا ممن يخفيه عنه، وأن الكاتب الذي يستفسر منه عن التقصير ليس بالضرورة خصمًا له.
بلادنا التي تتقدم بهذه السرعة لا تحتاج إلى مزيد من المصفقين، وإنما إلى مزيد من الصادقين؛ فالمشاريع الكبرى لا يحميها المديح، وإنما تحميها الرقابة والمحاسبة والكفاءة والنقد المسؤول. ولا يخدم هذا التقدم من يخفي الأخطاء، وإنما من يساعد على اكتشافها ومعالجتها قبل أن تتحول إلى أزمات.
كفى تطبيلًا، وكفى تحويل المسؤول الذي يؤدي واجبه إلى بطل خارق، والاجتماع العادي إلى حدث تاريخي، والتصريح إلى رؤية عبقرية، وكل خطوة إلى إنجاز لم تعرفه الإدارة من قبل. كفى إهانة لعقول الناس، وكفى استخدامًا للوطنية غطاءً للمصالح الشخصية.
من أراد أن يمدح فليمدح إنجازًا حقيقيًا، ومن أراد أن يكتب فليحترم قلمه وقارئه، ومن لم يستطع قول الحقيقة فلا يحول صمته إلى تصفيق؛ فنحن لا نحتاج إلى أقلام ترتجف أمام المناصب، ولا إلى كتّاب تتغير مواقفهم بمجرد أن تُفتح لهم أبواب المجالس.
هذا وطن لا يحتاج إلى الْمُطَبِّلِينَ، ولا يَبْنِيهِ الْمُصَفِّقُونَ، ولا يحميه من يخفون أخطاءه؛ وإنما يحتاج إلى الصادقين، حتى عندما تكون الحقيقة مُرّة، وإلى الأقلام التي تقف أمام المسؤول بالصدق، لا التي تقف خلفه بالطبول.
كاتب رأي

