ولاؤنا لا يُملى علينا

ولاؤنا لا يُملى علينا
محمد الفريدي
يتساءل بعضهم من الخارج عن سر علاقتنا بقيادتنا، وعن سبب تماسكنا الذي لا يظهر لهم جليًّا إلا عند الشدائد، وعن غياب المظاهرات التي اعتادوا رؤيتها في شوارع بلدانهم. ويطرحون أسئلتهم أحيانًا بدافع الفضول، وأحيانًا بنبرة تشكيك توحي بأن صمتنا سببه الخوف من قبضة (البوليس).
هذا الاستنتاج المتسرّع لا يعكس فهمًا لمجتمعنا، ولا معرفةً بطبيعة علاقتنا بوطننا وقيادتنا؛ فنحن لا نحتاج إلى التعبير عن غضبنا بالأساليب التي يختارها الآخرون لنثبت لهم وعينا بمشكلاتنا وسعينا إلى معالجتها، ولا نحتاج إلى التظاهر في ساحة رابعة العدوية حتى تصل مطالبنا وتطلعاتنا إلى حكامنا.
إن علاقتنا بهم لا تُختصر في بيعة تُجدَّد، ولا في عبارة تُكتب، ولا في صورة تُرفع؛ إنما هي حصيلة تاريخ طويل من الانتماء والشعور بأننا وهم أبناء دولة واحدة، وأن حياة كل واحد منا متصلة بأمننا واستقرارنا ومكانتنا؛ فالدولة ليست كيانًا بعيدًا عنا، وحكامنا ليسوا خصومًا لنا يقفون في وجوهنا.
ونحن لسنا في جهة، وهم في جهة أخرى؛ فنحن معهم في قلب هذا الوطن، نعيش معًا في خيره وشره، ونحمل جميعًا همّه، ونتأثر بما يصيبه، ونفخر بما يحققه. ومن يظن أن علاقتنا هذه يمكن تفسيرها بالخوف منهم يسيء إلينا، ولا يعرف معنى الانتماء الذي نعرفه، ويستخف بعقولنا، ويحسبنا عاجزين عن التمييز بين المطالبة بمعالجة الخلل وبين الفتنة والتحريض.
ولا نقول إن واقعنا خالٍ من التحديات، ولا نزعم أن كل إجراء اتخذناه كان صائبًا أو أن كل مسؤول أدّى واجبه على الوجه المطلوب. هناك بطالة، نعم، وأعباء معيشية، وارتفاع في بعض النفقات والضرائب، نعم. وهناك إخفاقات تستحق أن تُناقش، وأوجه قصور ينبغي أن تُعالج، نعم. أما التجاوزات، فقد نال كل متورط ثبتت مسؤوليته جزاءه.
إنكار الحقائق لا يخدم الوطن، والتغطية عليها لا تصنع ولاءً، والعبارات التي لا تلامس واقعنا لا ترسّخ الثقة. ولهذا، من حقنا ككُتّاب أن نسأل، وعلى الإعلام أن ينقل الصورة بأمانة وموضوعية، وعلى الجهات أن تصغي إلينا وتراجع أداءها وتصحح ما يحتاج إلى تصحيح.
لكن وجود خلل لا يعني أن وطننا صار خصمًا لنا، ولا أن حكومتنا لم تعد جديرة بثقتنا، ولا أن علاج الخطأ يكون بهدم دولتنا أو التشكيك في كل ما تحقق. من يحمّل الوطن تبعات كل تقصير، ويحوّل كل ملاحظة إلى دعوة للانشقاق والصدام، لا يسعى إلى تصحيح الخطأ؛ إنما يعبث بمشاعرنا، ويجعل من وجعنا وقودًا لصراع لا أحد رابح فيه.
نحن نعرف أن الخطط لا تحقق أهدافها دائمًا، وأن الواقع قد يكشف أوجه قصور لم تكن ظاهرة، وأن مراجعتها ضرورية. والرجوع عن الخطأ أساسٌ للحد من تبعاته، والنقاش الموضوعي حول الخلل يساعد على تصحيح اتجاهنا. ونطرح مطالبنا بدافع الحرص على الوطن، ونرفض توظيفها لزعزعة ثقتنا بدولتنا وإضعافها.
ولمن يستغرب عدم خروجنا إلى الشوارع كلما واجهتنا أزمة، نقول: ليست المظاهرات الوسيلة الوحيدة التي تُسمع بها أصواتنا، ولا تعتمد المجتمعات كلها هذا الأسلوب في التعبير عن مطالبها. لكل بلد تاريخه وتركيبته وأدواته ومساراته؛ فقد يسلك مجتمع طريقًا، ويعتمد آخر وسيلة مختلفة لإيصال صوته. ونحن كذلك لا نقبل أن يملي علينا أحد كيف نعبّر عن آرائنا ومطالبنا.
ولا يحق له أن يحاكمنا على عدم التظاهر. نحن نعرف قيمة الاستقرار، ونعرف أن الفوضى لا تبني وطنًا، ولا تفتح بابًا، ولا تضمن حقًا. وقد رأينا في تجاربكم القريبة والبعيدة كيف بدأتم بمطالب وشعارات، ثم تسللت إليكم قوى تسعى إلى إشعال الأزمات، فانزلقت بلدانكم إلى صراعات ما زلتم تدفعون ثمنها حتى اليوم.
وحدتنا لا تعني أننا نسخة واحدة، ولا تفرض علينا رأيًا موحدًا. تتنوع آراؤنا ومشاربنا وتوجهاتنا الدينية والفكرية، ولكلٍّ منا نظرته إلى شؤوننا الداخلية. وتجمعنا ثوابت راسخة: وطن نعيش جميعًا على أرضه، وقيادة نعرف مكانتها، وأمن نحميه، وحقوق مشروعة نتمسك بها.
ومن يخلط بين اختلاف وجهات النظر وضعف الانتماء لا يدرك أن حرصنا على وطننا يدفعنا إلى التعبير عن مواقفنا والمطالبة بتحسين الخدمات، وتوسيع فرص العمل، ومحاسبة المقصر؛ فهذه المشاركة حق لنا، ونمارسها بوعي ومسؤولية، ولا نسمح لأحد باختطاف مطالبنا أو التحدث باسمنا.
ولاؤنا لا يعني السكوت عن الفساد أو التنازل عن حقوقنا؛ فالمساءلة تشمل الجميع بلا استثناء. والولاء الصادق يظهر في حبنا لوطننا، ورفض العبث به، والتمسك بدولتنا، ومطالبتها بتحقيق تطلعاتنا، وحماية سمعتها من الأكاذيب من غير أن نخفي الحقيقة.
ولا قيمة لإجراء لا يراعي أحوالنا، ولا جدوى من مسؤول لا يصغي إلى أصواتنا. ومن حق شبابنا أن تتاح لهم فرص عادلة، ومن حقنا أن نحصل على خدمات تليق بنا. ونقف بحزم أمام كل ما يضر بمصالحنا، ونعدّ المحافظة على حقوقنا أمانةً لا تقبل التفريط. والمطالبة بهذه الاحتياجات لا تنتقص من مكانة دولتنا؛ فاستقرارها مرتبط بضمان حقوق أبنائها وتحقيق تطلعاتهم.
أما إعلامنا الرسمي الذي نريد أن نثق به، فلا يزيّن أخطاءنا ولا يدفنها ولا يضخمها. يرصد ما يراه، ويتحقق مما ننشره، وينقل الوقائع بموضوعية، ويحتكم إلى المهنية والإنصاف والمصداقية، ويفرّق بين من يكشف الخلل ومن يحاول إشعال الفتن. وما يقلقنا حقًّا هو أن تُسرق الحقيقة من أهلها، وأن يُقتطع خبر من سياقه لتأكيد اتهام أُعدّ مسبقًا.
ومن خلال صحيفتنا، سنعبّر عن مواقفنا بأنفسنا، ولن نسمح لمن يراقبنا من بعيد أن يفسرها نيابة عنا، ونرفض تحويل قضايانا إلى ذريعة للنيل من وطننا. من يحرص على مصلحتنا فليُصغ إلى مطالبنا، وليُتابع ما يسهم في تخفيف معاناتنا ويحفظ حقوقنا، أما من يفتش عما يباعد بيننا وبين قيادتنا، فلن ينجح في بث الفرقة بيننا.
إن سر تماسكنا ليس لغزًا، ولا معجزة سياسية، ولا حالة مصطنعة تزول عند أول محكّ، ولا ترابطًا واهيًا يتبدد عند اختلاف مصالحنا. سرّه أننا نرى في بلادنا بيتنا الوحيد، وفي أمنها حياتنا، وفي استقرارها ضمانًا لمستقبلنا، وفي قيادتها عنوانًا لوحدتنا التي لا نفرط فيها أبدًا.
نتمسك بحقوقنا المشروعة ونصون أمن بلادنا، ونرفض الفساد والتقصير. ولا نقبل أن يزايد أحد علينا في حب وطننا، أو أن يختبر ولاءنا بمقاييسه، أو أن يتخذ من مطالبنا ذريعة لاتهامنا بالتحريض؛ فمطالبنا واضحة، وولاؤنا لوطننا ثابت.
فليتوقف المتشككون عن تحميل مواقفنا ما لا تحتمل، وليكفّوا عن اعتبار هدوئنا عجزًا، واختلافنا ضعفًا، وتمسكنا بدولتنا خوفًا. نحن نرى أوجه النقص ونتحدث عنها، ونتابع ما يُتخذ من خطوات حتى تتضح نتائجها، ونحفظ لوطننا مكانته وسمعته. وإذا غضبنا من التقصير، فإن ذلك يدفعنا إلى العمل على تدارك الخلل، لا إلى تسليم بلادنا لمن يتربص بها.
ولمن يتساءل عن سر تماسكنا نقول: نختلف في التفاصيل، ونطالب بحقوقنا، ونحاسب المقصر، ونقف مع دولتنا وقيادتنا؛ لأننا نعرف أن مجتمعنا يستمد قوته من وطننا، وأن هذا الترابط لا يُشترى ولا يُفرض؛ فهو وعي راسخ ومسؤولية نحملها منذ نعومة أظافرنا، ووفاء تؤكده مواقفنا، ولا يحق لأحد أن يشكك في هذا الوفاء أو يفرض علينا تفسيرًا له.
إلى من ينصّبون أنفسهم أوصياء على مواقفنا: كفّوا عن تنصيب أنفسكم حراسًا على ولائنا؛ فنحن لسنا ملفًا مفتوحًا أمام لجانكم، ولا شعبًا ينتظر شهادة حسن سلوك منكم.
من أراد أن يعرفنا على حقيقتنا، فليسمع أصواتنا كاملة، وليقرأ واقعنا بعيدًا عن أحكامكم المسبقة. أما اختزالنا في صورة جاهزة ثم مطالبتنا بتصديقها، فهذا استخفاف بعقولنا لا نقبله.
لا نفاوض على حقنا في تعريف أنفسنا، ولا نستعير من أحد لغة تشرح مشاعرنا؛ نعرف ما نحب وما نرفض، ونقول كلمتنا حين يستلزم الأمر، ونمضي دون انتظار تزكيتكم؛ واستياؤنا من التقصير لا يبرر مصادرة أصواتنا ولا إخضاع انتمائنا للتقييم.
اكتبوا ما تشاؤون، لكن لا تتحدثوا باسمنا، ولا تصوّروا مواقفنا على غير حقيقتها. سنواصل حياتنا هنا بكرامة، ونترك أعمالنا ومواقفنا تجيب عن أسئلتكم المتكررة. ولن نضيّع وقتنا في شرح مواقفنا لمن اختار ألا يسمعنا. ولا تنتظروا منا اعتذارًا عن انتمائنا، ولا تظنوا أن اتهاماتكم ستزعزع ثقتنا بأنفسنا أبدًا.
وليقترب طالب الحقيقة منا، وليتحمل المصرّ على الوهم مسؤولية كلامه أمام الجميع؛ ومهما ارتفعت أصواتكم، ستبقى كرامتنا وولاؤنا أكبر من ضجيجكم وأحكامكم التي تحاولون فرضها علينا.
فنحن شعب لا يُملى علينا ولاؤنا، ولا نحتاج إلى إذنكم كي نعبّر عنه؛ نحن نعرف وطننا ونحمل همّه، لأننا جزء من ماضيه وحاضره ومستقبله؛ كفّوا عن تنصيب أنفسكم أوصياء علينا والتحدث باسمنا؛ فنحن أدرى بأحوالنا ومطالبنا، ولن نخجل من انتماء نعتز به، ولا من حقنا في الدفاع عن وطننا والسعي إلى تحسين واقعنا.


