كُتاب الرأي

من نصّبكم حراسًا للهوية؟

من نصّبكم حراسًا للهوية؟

محمد الفريدي

لم تعد صدمتي في أن يختلف الناس مع بعضهم، وإنما في أن بعضنا يريد لبلادنا أن تتحول إلى مغارة وحوش كبيرة، يقف على بابها (بودي قاردات)، يفتشون قلوب الداخلين والخارجين.

ولا يكتفون بذلك، بل يصادرون البطاقات الوطنية ممن حصلوا عليها من أهل المنطقة الغربية، ويرون أن حرية التعبير والعيش بسلام والعدالة المدنية ليست من حقوقهم؛ فإن وقفتَ مع هؤلاء الغوغائيين فأنت مواطن صالح وأصيل، وإن وقفتَ مع أبناء الحاضرة فأنت متهم في نظر من يسمّون أنفسهم ناشطين ومدافعين.

حين يرون أبناء حاضرة الغربية يمارسون ألعابهم، أو يرتدون ملابس آبائهم وأجدادهم، أو يتناولون أكلاتهم أو يعرضونها للبيع، تثور ثائرة بعض مدّعي الوطنية، ويصوّرون ذلك تهديدًا لبلادنا؛ ثم يتشدّقون بالوحدة وحب الوطن، مع أنهم بذلك أنهكوه بالطبقية والمناطقية وأضعفوا تماسكه، وينسبون إليهم مسؤولية الشروخ التي تسببوا هم في إحداثها.

ومع ذلك، يبدو أن انشغال هؤلاء بتتبّع أصول الحاصلين على الجنسية يفوق اكتراثهم بمشاعر بقية المواطنين؛ فهذه المسألة تؤرقهم أكثر مما تؤرقهم معاناة من سلبتهم هذه التصنيفات طمأنينتهم، ولا يزالون يدّعون حق الوصاية على ولاء الناس ومشاعرهم.

ومن هنا، يريدون حتى الوطنية بالحجز المسبق، ولا يقبلون بها إلا إذا جاءت طِبْقًا لما يريدون، حتى باتوا كأنهم يشترطون أن يستحصل أبناء الحاضرة على موافقتهم قبل أن يمارسوا عاداتهم وتقاليدهم، ويعبّروا عن ثقافاتهم. ألا إنَّ شرَّ البليّة ما يُضحك!

ويريدون منهم أن يحصلوا على تصريح من حساباتهم حتى يحق لهم الانتماء إلى الوطن؛ فمن يؤيدهم في هذا العبث فهو وطني أصيل، ومن يختلف معهم يتهمونه بالتدويل ويصفونه بالدخيل، حتى لو وقف مع بلادنا وقيادتنا، وأعلن ولاءه لهما.

واللافت أن بعض أصحاب هذه الأصوات نصّبوا أنفسهم مَرَاجِعَ يوزّعون صكوك الوطنية والغفران، ويقرّرون من يحق له أن يقول: (أنا مواطن سعودي وأفتخر)، ومن يجب عليه الصمت لأنه دخيل، ويفرّقون بين المواطنين على أساس أصولهم وأسمائهم، من دون أن تطلب منهم الدولة ذلك؛ وهي التي حرصت منذ قيامها على أن يكون الجميع في بوتقة واحدة وخندق واحد.

الجنسية ليست ورقةً بلا قيمة؛ فمن يحملها مواطن كامل الحقوق، حتى لو حصل عليها بالأمس، وبصرف النظر عن المكان الذي أتى منه، فلا يُعدّ غريبًا مطالبًا باستئذاننا قبل أن يعتز بثقافة موطنه الأصلي، ويمارس عاداته وثقافته، ويعلن ولاءه لوطننا وقيادتنا، ما دام لا يسيء إلى أحد ولا يخالف الأنظمة المتبعة.

وتُظهر تجارب دول كثيرة أن الحفاظ على الموروث الثقافي لا يعني المطالبة بالانفصال؛ ففي إسرائيل، مثلًا، يعيش يهود من أصول مختلفة ويمارسون عادات بلدانهم، وفي الولايات المتحدة وبلدان أوروبية تعيش جاليات عربية وغير عربية تحافظ على تقاليدها منذ عشرات السنين، من دون اتهام أفرادها بتهديد وحدتها.

المواطن الذي حصل على الجنسية السعودية لم يشترِ بطاقة عضوية في نادٍ خاص يملك بعض الإقصائيين حق إلغائها، وإنما دخل تحت مظلة نظام دولتنا، وصار له ما لنا من حقوق، وعليه ما علينا من واجبات. ومن يتعامل معه على أنه مواطن ناقص لا يحق له أن يمارس عاداته وثقافته وألعابه، لا يهين فردًا واحدًا فقط، وإنما يتطاول على قرار الملك، ويحوّل الجنسية من رابطة قانونية ووطنية إلى ورقة تخضع لأمزجته المريضة.

أيُّ عقلٍ يقبل أن نطالب من عاشوا بيننا لعقود طويلة بالإخلاص والاندماج، ثم نشكّك في كل تعبير يصدر منهم؟ إن صمتوا اتهمناهم بالبرود وعدم حب السعودية، وإن عبّروا عن محبتهم بطريقتهم الخاصة قلنا: يتصنّعون حبها، وإن حضروا مناسبة وطنية فتّشنا في أصولهم ولهجاتهم وملامحهم وملابسهم وألعابهم. هذه محاكمة عبثية لا يستطيع المتهمون فيها إثبات براءتهم؛ لأن القاضي الإقصائي أصدر حكمه بالإقصاء قبل أن تبدأ الجلسة.

أبناء الحاضرة لا يحتاجون إلى شهادة حسن سيرة وطنية من حسابات مجهولة أو معروفة، ولا ينتظرون ختم تصديق من أشخاص يعتقدون أن الوطن مزرعة ورثوها عن أجدادهم. المملكة دولة مؤسسات، وليست مجلسًا قبليًّا يقرّر كبراؤه من يدخل ومن يخرج. ومن منحته الدولة صفة مواطن لا يجوز أن يبقى معلّقًا بين وطن احتضنه وأصوات تلاحقه كل يوم بسؤال مهين عن جذوره.

ومواجهة هذا العبث لا تكون بالمواعظ وحدها. المطلوب تجريم التحريض العلني على أبناء الحاضرة بسبب أصولهم وألوانهم وأشكالهم ولغاتهم وملابسهم وثقافاتهم وألعابهم وعاداتهم، وتطبيق العقوبات على من يطعن في وطنيتهم أو يخوّنهم أو يطالب بإسقاط حقوقهم من دون سند نظامي، وإنشاء مسار سريع وسري لتلقّي بلاغات التمييز في العمل والتعليم والخدمات والإعلام، مع إعلان نتائج التحقيقات والعقوبات حتى يعرف الجميع أن كرامة كل مواطن، أيًّا كان أصله، ليست مادة للعبث.

على المؤسسات الإعلامية أن تحاسب كل من يروّج خطابًا إقصائيًا في وسائل التواصل بوصفه وجهة نظر قابلة للنقاش؛ فالإهانة ليست رأيًا، والتحريض ليس شجاعة، وتصنيف المواطنين إلى أصلاء ودخلاء ليس اختلافًا فكريًا ولا حمايةً للوطن، وكل منصة تتيح لهذا الخطاب الانتشار من دون مساءلة تسهم في تسميم أفكار مجتمعنا، حتى لو اختبأت خلف حرية الرأي وعبارات الحياد.

ونحتاج إلى ميثاق وطني واضح في المدارس والجامعات والجهات الحكومية والخاصة، يؤكد أنه لا يجوز التمييز بين المواطنين بسبب ألقاب عائلاتهم أو أماكن ميلادهم أو تواريخ حصولهم على الجنسية، وتلتزم بتدريب طلابها وموظفيها على مكافحة التمييز والإقصاء، وإتاحة فرص القيادة والترقي أمام الأكفأ، ومنع الإجراءات التي تحوّل الأصل إلى تهمة دائمة تطارد أصحابها في حياتهم اليومية؛ فكل من حصل على الجنسية مواطن سعودي، رغم أنف كل من يرفض الاعتراف بحقه في المواطنة الكاملة.

أما أبناء الحاضرة، فلا ينبغي أن يُدفعوا إلى زاوية الدفاع المستمر عن أنفسهم. عليهم المشاركة بثقة، وخدمة المجتمع، والتمسك بحقوقهم، وتوثيق أي إساءة يتعرضون لها، واللجوء إلى النظام بدل الانجرار إلى المهاترات. وطنهم لا يحتاج منهم إلى اعتذار عن أصولهم، وإنما إلى إسهام فاعل في بنائه وتعزيز تماسكه.

ومن يظن أن قوة وطننا تتحقق بإقصاء بعض أبنائه، فعليه أن يدرك أن الدولة تعزّز قوتها بتوحيد مواطنيها تحت راية واحدة، لا بتمزيقهم على أساس الأنساب والأصول والأسماء والألوان والألقاب.

الوطن القوي لا يخاف من تنوّع أبنائه، وإنما يخاف عليهم من الجهل الذي يمزّقهم إلى فئات متنافرة. ومن يريد حماية وحدته اليوم، فليبدأ بإنهاء التفرقة، لا بإقصاء مواطنين اعترفت بهم الدولة. كفى عبثًا بمفهوم الانتماء؛ فالمواطنة حق للجميع يحميه النظام، وليست منحة اجتماعية يسحبها الإقصائيون من أصحابها متى يشاؤون.

الأشد إساءةً أن بعض الإقصائيين يتحدثون وكأن الجنسية السعودية صكّ ملكية خاصة، يمنحونها لمن يرضون عنه وينزعونها ممن لا يطأطئون لهم. من أعطاهم هذه السلطة؟ ومن أوهمهم أن أسماء عائلاتهم وقبائلهم تضعهم فوق النظام، وتمنحهم حق فحص ولاء الآخرين؟ الدولة وحدها تقرر من يحمل جنسيتها، ومن يطعن في انتماء مواطن بعينه بعد صدور قرارها يضع نفسه في مواجهتها.

كفى ممارسةً لهذا الاستعلاء المريض؛ فلا يحق لأحد أن يحوّل المواطنين من أبناء الحاضرة إلى مطالبين دائمًا بالدفاع عن أنفسهم، ثم يُطالَبون بإظهار شهادات ولائهم وبيان مشاعرهم وتقديم تقرير عن ماضي أسرهم لكل إقصائي. أيُّ وطنية هذه التي ترتعد من لهجة مختلفة، وتغضب من زيّ شعبي، وتعدّ احتفاظهم بعاداتهم تهديدًا لدولتنا؟ الوطن أكبر من أوهامهم، وهويته أصلب من أن تهزّها أكلة شعبية أو رقصة تراثية أو كلمة ينطق بها مواطن بلهجة والِدَيْهِ.

الإقصائي لا يدافع عن هويتنا بقدر ما يشوّهها، ويقدّم بلادنا في صورة دولة تخاف من كل اختلاف، ولا يحمي وحدتنا، ويحفر بيننا وبين إخوتنا خنادقَ الكراهية والفرقة، ويزرع الشك بين أبناء مجتمعنا، ثم يرفع راية الوطنية ليغطي جريمته الأخلاقية.

فحبُّ الوطن الذي يحتاج إلى إهانة فئة من أبنائه حتى يُظهر صدقه ليس دليلًا على الوطنية، وإنما عقدة نقص ترتدي ثوب الغيرة على بلادنا وعاداتنا التي يزعم الدفاع عنها، فيما يجعلها وسيلةً للإقصاء والتفرقة بين أبناء الوطن.

ويجب ألا يُمرَّر هذا السلوك تحت ذريعة الدفاع أو التحذير أو الحماس أو المزاح أو الرأي الشخصي. فمن يصف مواطنين بالدخلاء بسبب أصولهم يمارس تمييزًا عنصريًا، سواء قصد ذلك أم لم يقصد، ومن يحرّض على عزلهم يعتدي على سلمنا الوطني.

ومن يطالب بحرمانهم من حقوقهم يتجاوز حدود الاعتراض إلى منازعة الملك في قراراته وصلاحياته، والتساهل مع هذه اللغة لا يقضي عليها، وإنما يجعل أصحابها أكثر تماديًا، حتى تتحول من تغريدات إلى ممارسات تمييزية في الوظائف والمدارس والأحياء، ويصل أثرها إلى الخطاب الإعلامي.

لا بد من وجود جهات رسمية ترصد أيَّ محتوى إقصائي، وتستدعي أصحابه، وتلزمهم بتحمّل تبعات عباراتهم، كما ينبغي للمنصات التي يكتبون فيها ألا تتعامل مع الإساءة إلى أبناء بلادنا وكأنها شأن خاص لا يمسّ سمعتهم؛ فالموظف الذي يحتقر زملاءه بسبب أصولهم لا يؤتمن على التعامل مع الجميع بإنصاف، والمسؤول الذي يفرّق بين الناس لا يستحق منصبه، والإعلامي الذي يشعل الكراهية لا يستحق منصةً إعلاميةً يحتمي بها.

ويشمل ذلك إدراج مكافحة التمييز والإقصاء ضمن معايير تقييم الأداء الإداري، ووضع مؤشرات معلنة تقيس عدالة التوظيف والترقيات والخدمات، وإلزام الجهات المختصة بتوفير قنوات آمنة للشكاوى، وحماية المُبَلِّغِينَ من الانتقام، وتعويض المتضررين.

أما نشر الأحكام النهائية في القضايا التي تهدد التلاحم والسلم الوطني، فيجعل محاسبة هؤلاء الإقصائيين رسالةً قوية لا يمكن تجاهلها؛ فصون كرامة المواطنين مسؤولية وطنية قُصْوَى لا تحتمل التساهل والتأجيل.

لسنا في زمن الأعراف البدائية التي تتعامل مع القادمين على أساس أنسابهم قبل أن تحترم إنسانيتهم؛ فنحن في دولة حديثة لها أنظمة وقيادة ومشروع وطني، ومن لم يستوعب أن المواطن مواطن، أيًّا كانت أصوله، فالمشكلة في فهمه هو، لا في الأنظمة ولا في مواطنة الآخرين؛ فكرامة الناس ليست ساحة للتفاخر بالجذور، والوطن ليس إرثًا خاصًا للمتغطرسين.

والوطن ليس حكرًا على عائلة أو قبيلة، والمواطنة لا تُقاس بالنسب ولا تُمنح بصكوك يوزّعها المتعصبون؛ والأنظمة وحدها تكفل حقوق المواطنين، ولا ينتقص اختلاف أصولهم ولهجاتهم وعاداتهم وتقاليدهم من مواطنتهم.

ومن يفتّش في جذور الناس ليحكم على وطنيتهم، فليجب عن سؤالهم: بأي حق تجعلون أصولنا موضع اتهام وسخرية وتشكيك، وتطالبوننا بإثبات انتمائنا إلى وطن اعترف بنا مواطنين؟

كاتب رأي

محمد الفريدي

رئيس التحرير

تعليق واحد

  1. احسنت وبيض الله وجهك وكثر أمثالك ..
    لا أحد وصي على أحد.. في وطن يسع الجميع بكل المكونات،،
    والمواطن الحق هو من يلتزم بالقوانين ويـقدم التضحيات
    للوطن ، بداية بالاخلاص في العمل والأمانة واحترام الاخرين ..
    ويحتسبها من مصالحه في الدنيا وللدين يتعبد بها طاعة الله

    وفقك الله وسدد رأيك
    وقاتل الله العنصرية والعنترية البغيضة ، (دعوها فإنها نــتنه)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.