مواطنون رغم أنف الكراهية

مواطنون رغم أنف الكراهية
محمد الفريدي
في أوروبا، يخرج مهاجر مسلم من منزله قبل شروق الشمس، يقود حافلة تنقل الأوروبيين إلى أعمالهم، أو يقف في مستشفى يرعى مرضاهم، أو يعمل في مصنع يحمي اقتصادهم من التوقف، ويدفع الضرائب، ويسدد الإيجار، ويلتزم بالنظام.
ثم يعود في المساء ليسمع سياسيًا يتهمه بأنه خطر على هوية بلاده! يريدون يديه للعمل، وأمواله في الضرائب، وصمته أمام الإهانة، لكنهم لا يريدونه مواطنًا كامل الحقوق. أي نفاق هذا؟ وأي عدالة تسمح لدولة بأن تستفيد منه سنوات، وبعد أن تمنحه جنسيتها، تجعله أول ضحايا أزماتها وآخر المستفيدين من خيراتها؟
أوروبا تشيخ، وعدد مواليدها يتراجع، والوفيات في الاتحاد الأوروبي تتجاوز المواليد منذ عام ٢٠١٢، وصافي الهجرة هو ما يعوض التراجع في عدد السكان، وفي عام ٢٠٢٥ تحديدًا، كانت الزيادة الناتجة عن الهجرة وحدها وراء نمو عدد السكان، وهذه ليست مزاعم أطلقها مهاجر غاضب.
وتشير أحدث توقّعات مكتب الإحصاء الأوروبي إلى احتمال انخفاض عدد سكان الاتحاد بنسبة ١١٫٧٪ بين عامي ٢٠٢٥ و٢١٠٠، مع تراجع نسبة السكان في سن العمل وارتفاع نسبة من تجاوزوا الخامسة والستين من العمر، وهي أرقام صادرة عن إحدى مؤسسات الاتحاد نفسه.
ومع ذلك، بدل أن تعترف أوروبا بأن المهاجر العربي شريك في إنقاذ اقتصادها ومجتمعها من الشيخوخة، يخرج بعض ساستها ليتعاملوا معه كأنه مرض يجب التخلص منه. يشددون قوانين الهجرة، ويوسعون إجراءات ترحيله، ويغلقون الأبواب في وجهه.
ثم يعودون إلى البحث عمّن يسد النقص في المستشفيات والمصانع وقطاعات النقل والبناء والرعاية. يريدون المهاجر عندما يحمل عدّة مهنته، ويرفضونه عندما يرفع رأسه ويطالب بحقوقه. يريدونه رقمًا في سوق العمل، ولا يريدونه جارًا أو ناخبًا أو مواطنًا له صوت وكرامة.
لسنا ضد حق أي دولة في حماية حدودها، وتنظيم الهجرة إليها، ومحاسبة من يخالف أنظمتها. ولا ندافع عن مجرم أو متطرف أو شخص يهدد أمنها أو أمن مجتمعها الذي يعيش فيه. من يرتكب جريمة يجب أن يُحاسَب وفق القانون، مسلمًا كان أو غير مسلم.
لكننا نرفض أن يتحول ديننا إلى تهمة، وأسماؤنا إلى محلّ اشتباه، وَلِحَانَا إلى شبهة أمنية، وحجاب زوجاتنا وبناتنا وأخواتنا إلى عائق أمام الدراسة والوظيفة، وأن تصبح مساجدنا عرضةً للمراقبة والتخويف. القانون الذي يُطبَّق على الجميع عدل، أما القانون الذي يحاكم هويتنا قبل أن ينظر في مخالفاتنا فليس قانونًا، وإنما تمييز عنصري يتخفّى خلف سلطة الدولة.
الكارثة لا تقف عند المهاجر الذي وصل أمس أو طالب اللجوء الذي ينتظر القرار. هناك عرب وغير عرب وُلدوا في أوروبا، وتعلّموا في مدارسها، ويتحدثون لغاتها، ويحملون جنسيات دولها، ولا يعرفون وطنًا غيرها، ومع ذلك، يلاحقهم كل يوم سؤالان: من أين تنحدر؟ ومتى تعود إلى بلدك؟
إلى أي بلد يعود من وُلد في برلين أو باريس أو بروكسل؟ وكم جيلًا يجب أن يمضي حتى يُعترف بالعربي مواطنًا؟ أليس جواز السفر إثباتًا قانونيًا للمواطنة المتساوية؟ أم أن المواطنة عندهم درجات، أعلاها لمن يوافق اسمه ولونه ودينه مقاييسهم، وأدناها لمن يحمل اسمًا عربيًا مهما أسهم في نهضة البلاد؟
هذه ليست أوهامًا أو مبالغات. فقد أظهر تقرير لوكالة الاتحاد الأوروبي للحقوق الأساسية أن ٤٧٪ من المسلمين الذين شملهم المسح تعرضوا للتمييز العنصري خلال السنوات الخمس السابقة للمسح، مقارنة بـ٣٩٪ في عام ٢٠١٦. كذلك تعرض ٣٩٪ للتمييز عند البحث عن عمل، و٣٥٪ عند الحصول على السكن.
والمسلمات اللاتي يرتدين لباسًا دينيًا أكثر عرضةً للتمييز في فرص العمل، وقد بلغت نسبته بين الشابات منهن، اللاتي تتراوح أعمارهن بين ١٦ و٢٤ عامًا، ٥٨٪. وعندما يصبح اسم المسلمة أو حجابها سببًا لإغلاق أبواب العمل والدراسة والسكن في وجهها، فلا تحدثونا عن المساواة في أوروبا وكأنها حقيقة ثَابِتَةً.
الأشد بشاعةً أن بعض الأحزاب تشقّ طريقها إلى السلطة على تخويف الناس من المهاجر العربي المسلم. كل أزمة سكن يحمّلونه مسؤوليتها، وكل ارتفاع في البطالة يعلقونه في رقبته، وكل جريمة يرتكبها فرد يحولونها إلى اتهام لدين كامل.
أما عندما يقدم شخص منهم على عمل إجرامي، فإنهم يعاملونه بوصفه فردًا مسؤولًا عن تصرفه أو مريضًا نفسيًا. فلماذا يصبح العربي المسلم ممثلًا لملياري مسلم عند الخطأ، ويصبح فردًا مجهولًا عند النجاح؟ ولماذا لا ينسبون نجاح أيٍّ منهم، طبيبًا كان أو مهندسًا أو عاملًا، إلى دينه، ثم يهرعون إلى استدعاء دينه عندما تُرتكب جريمة؟
وقد دقّت اللجنة الأوروبية لمناهضة العنصرية والتعصب التابعة لمجلس أوروبا ناقوس الخطر في تقريرها السنوي عن عام ٢٠٢٥، وحذرت من تصاعد خطاب الكراهية في أوروبا، ومن استغلال الصور النمطية والمعلومات المضللة في الخطاب السياسي لاستهداف المسلمين والأجانب، خاصة في فترات الانتخابات.
وهذا يعني أن التحريض لم يعد كلامًا هامشيًا يتداوله متعصبون في الأزقة؛ فقد أصبح وسيلة سياسية يستغلها بعض الطامحين للوصول إلى السلطة بأقصر الطرق، حتى لو كان الثمن امتهان كرامة ملايين البشر.
نحن نرفض أيضًا الانتقائية الأخلاقية، فلا يجوز أن يُفتح الباب أمام لاجئ لأن لون بشرته مقبول وثقافته مألوفة لديهم، ثم يُغلق في وجه آخر لأنه قادم من بلد عربي أو إسلامي. فاللاجئ لا يختار الحرب التي هجّرته، ولا لون بشرته، ولا الاسم الذي اختاره له والداه.
ومن العار أن تتحول حقوق الإنسان إلى امتياز تمنحه الحكومات الأوروبية لمن تشاء، وتحجبه عمن تشاء، ثم تواصل إلقاء محاضراتها علينا وعلى بقية العالم في الحرية والعدالة وحقوق الإنسان.
ومن حصل على جنسية إحدى دول الاتحاد الأوروبي يجب أن يُعامل بوصفه مواطنًا كامل الحقوق، لا دخيلًا تحت الاختبار إلى الأبد. له ما لغيره، وعليه ما على غيره، ولا يجوز أن يبقى مطالبًا كل صباح بإثبات ولائه لها بسبب دينه.
أما المقيم واللاجئ وطالب الحماية، فلهم حقوق إنسانية وقانونية لا تسقط لأنهم لم يحصلوا على الجنسية. من حق الدولة أن ترفض طلبًا وفقًا للقانون، لكن ليس من حقها أن تهين صاحبه أو تحمّله ذنب غيره أو تستخدمه وقودًا لحملة انتخابية.
أوروبا لا تقدم للمهاجر صدقة عندما تمنحه فرصة للعمل؛ فهو يقدم لها عمله وعلمه وشبابه وضرائبه. فالعلاقة شراكة، وليست منّة من أحد الطرفين على الآخر. والمهاجر العربي المسلم ليس مطالبًا بالتخلي عن دينه حتى يكون مقبولًا في مجتمعاتها.
والأوروبي الذي يعيش في بلداننا العربية لا نطالبه بالتخلي عن معتقده حتى نحترم إنسانيته. الاندماج لا يعني الذوبان، واحترام النظام لا يعني دفن الهوية، والمواطنة لا تعني أن يصبح جميع الناس نسخة واحدة.
يكفي استغلال العرب عند الحاجة وإهانتهم عند الانتخابات. يكفي مطالبتهم بالاندماج ثم إغلاق أبواب العمل والسكن والمشاركة في وجوههم. يكفي الحديث عن حقوق الإنسان، بينما يُعامل مواطن وُلد بينكم كأنه غريب لمجرد أن اسمه محمد أو أن أمه ترتدي الحجاب.
لا يمكن بناء مجتمع أوروبي متماسك بهذه السياسة؛ فهي تقول للعربي: اعمل معنا، وادفع ضرائبك، وأسهم في بناء مستقبلنا، لكن لا تنس أنك لست واحدًا منا.
إن الخطر الحقيقي على أوروبا لا يتمثل في المهاجرين العرب والمسلمين الذين يعملون فيها ويربون أبناءهم ويحترمون القانون، وإنما في السياسي الذي يمزقها ليجمع الأصوات. وليس الحجاب ما يهدد ديمقراطيتها.
فالتمييز يسلب المواطنة معناها، ومن يعتقد أنه يستطيع إنقاذ اقتصاد أوروبا بسواعد المهاجرين ثم يبقيهم خارج نسيج مجتمعاتها، لا يحميها، وإنما يزرع فيها غضبًا وانقسامًا سيدفع الجميع ثمنهما.
أوروبا أمام اختبار أخلاقي، لا سكاني فحسب: إما أن تعترف بأن العرب والمسلمين فيها جزء من حاضرها ومستقبلها، وإما أن تواصل استغلالهم والتضييق عليهم حتى تخسرهم وتخسر القيم التي تزعم الدفاع عنها.
وعندما تحتاج القارة إلى شباب يسندون اقتصادها ويحدّون من آثار الشيخوخة السكانية، ثم تلاحقهم بالعنصرية والترحيل والكراهية، فليس لها أن تلوم إلا نفسها؛ فمن يطرد من يبني له المستقبل، إنما يهدم مستقبله بيديه.
والسؤال الذي سيبقى أمام الضمير الأوروبي ليس عن عدد الذين رُحِّلوا، وإنما عن عدد الأبرياء الذين حُطمت حياتهم باسم الخوف، وعن عدد الأطفال الذين كبروا وهم يشعرون بأن مسقط رأسهم يرفض أسماءهم ووجوههم وعقيدتهم.
فالوطن الذي يجعل أبناءه يدافعون كل يوم عن حقهم في الانتماء لا يصنع ولاءً، وإنما يزرع جرحًا عميقًا لا تمحوه الخطب ولا الاحتفالات الوطنية.
لن تكون قوة أوروبا في حرس حدودها، ولا في سجونها المكتظة بالمهاجرين، ولا في قراراتها التي تمزق الأسر وتفصل الأطفال عن آبائهم. فقوتها الحقيقية تكمن في التزامها بالقيم التي رفعتها أمام العالم، وشجاعتها في مواجهة العنصرية داخل مؤسساتها وشوارعها وبرلماناتها.
أما أن تتحدث عن الكرامة في الخارج، ثم تدوسها في الداخل، فذلك سقوط أخلاقي لا تستره القوانين ولا تبرره صناديق الاقتراع.
وعلى العرب والمسلمين في أوروبا ألا يرضوا بدور الضحية الصامتة. عليهم أن يعرفوا حقوقهم، ويتمسكوا بالقانون، ويشاركوا في السياسة والإعلام والتعليم والعمل المدني.
وعليهم أن يواجهوا الكراهية بالحجة والموقف والمطالبة بالمحاسبة؛ فالصمت لا يخمد العنصرية، وإنما يمنحها مساحة أكبر لتتمدد وتتحول من كلمة مهينة إلى قرار ظالم.
سيأتي يوم تُفتح فيه ملفات هذه المرحلة، وتُقرأ التصريحات، وتُراجع قرارات الترحيل، ويُسأل الذين حرضوا وسكتوا وصفقوا: لماذا جعلتم عقيدة المسلم جريمة؟ عندها لن تنفعهم حجة حماية الهوية؛ فالهوية التي لا تعيش إلا بإقصاء الآخرين هوية خائفة.
والعدالة التي تتغير بتغيّر الاسم والدين واللون ليست عدالة. وأوروبا التي تريد أن يحترمها العالم مطالبة أولًا بأن تحترم العرب والمسلمين الذين يعيشون على أرضها، مواطنين أو غير مواطنين، وإلا فلتتوقف عن إعطائنا دروسًا في حقوق الإنسان.



سلمت اناملك
حروف لامست واقعًا يمارسونه ويزيفون أسبابه وحقائقة
قد سلطت الضوء على مايحاولونه اخفائه
مقال جميل استاذ محمد بقلمك الرائع دائما