كُتاب الرأي

على عهدي على ديني

على عهدي على ديني

محمد الفريدي

من يتهمنا بأننا بعنا فلسطين، ثم يتباهى بحمل الجنسية الإسرائيلية، ومن تتفاخر بزواجها من إسرائيلي، لا يحق لهما أن ينصّبا نفسيهما قاضيين على وفائنا، ثم يطالباننا بالصمت حين نسألهما عن مواقفهما؛ فنحن لا نقبل المحاباة ولا الكيل بمكيالين، وما يعيبانه على غيرهما لا يصبح مقبولًا حين يصدر منهما.

لسنا نعترض على زواج شخص اختار شريك حياته، ولا نحاكم إنسانًا على جنسيته وحدها؛ فقد يحملها لظروف لا يملك تغييرها، لكننا نرفض أن يتحول هذا الارتباط إلى موضع تفاخر، ثم يتخذ كل منهما دور الواعظ، ويوزّع علينا تهم الخيانة والتطبيع، ويتصرف كأن سجله نظيف وفوق المساءلة، ويطالبنا بما لا يلتزم به، ويجعل قضية فلسطين والقدس سيفًا على رقابنا، ثم يتنصل من تبعات أفعاله.

أيُّ وقاحةٍ هذه؟ كيف تتهم شعبًا كاملًا بالبيع والتفريط، وأنت تتفاخر بعلاقتك بدولة الاحتلال؟ وبأي وجه تحاكم من يختلف معك في موقف سياسي، ثم تطالبه بألا يناقش مواقفك الشخصية؟ إن كان الزواج اختيارًا خاصًا، فليكن كذلك للجميع، وإن كان حمل الجنسية لا يكفي وحده للحكم على صاحبها، فلا تتخذ جنسيات الآخرين سلاحًا ضدهم. أما أن تمنح نفسك استثناءً، وتمنع سواك من اتهامك بالعمالة والتطبيع، فهذه ازدواجيةٌ في المعايير لا تغطيها أعلام فلسطين في المظاهرات، ولا تبررها خطبك الحماسية.

ولا نسمح لأحد أن يحوّل هذا المقال إلى اتهام للفلسطينيين جميعًا؛ ففلسطين ليست ملكًا لمن يتاجر باسمها، وشعبها ليس مسؤولًا عن تصرفات كل من ينتسب إليه. ومن الفلسطينيين من صمد ودافع وضحّى، وفيهم من فقد بيته وأهله، ومن بقي متمسكًا بأرضه في وجه الاحتلال. هؤلاء أكبر من أن يختزلهم شخص متناقض، وأكرم من أن يُستغل وجعهم لتبرير شتائم جاهزة ضدنا. نحن ننتقد سلوكًا وخطابًا، ولا نعمّم حكمًا على شعب.

أما اتهامنا ببيع القضية، فهو ادعاء باطل وافتراء مجحف بحق مواقفنا الممتدة منذ عقود. وقفنا مع فلسطين سياسيًا وعسكريًا وإنسانيًا وإغاثيًا، وظلت قضيتها حاضرة في وجداننا، وترددت دعواتنا لها في بيوتنا ومساجدنا. لم نجعلها شعارًا للمناسبات، ولا صورة نرفعها عند الضرورة ثم ننساها؛ فقد كنا ولا نزال نتحدث عنها دائمًا في مجالسنا وصحفنا ومنتدياتنا، ونؤمن بحق شعبها في الحرية والكرامة وإقامة دولة مستقلة عاصمتها القدس.

فمن أعطى بعض الأصوات الفلسطينية حق طَمْسِ كُلِّ هذا؟ ومن خوّلها أن تهين شعبًا بأكمله، ثم تنتظر منا أن نصفق لها وهي في أحضان طهران؟ نحن لا نطلب شهادة وفاء من أحد، ولا نستجدي إِشَادَةً بما قدمناه لفلسطين، لكننا لن نقبل أن تُداس حقيقتنا ليربح أحدهم جولة مزايدات، ولن نقبل أن تصبح تضحياتنا رخيصة أمام من يوزّع علينا الاتهامات عبر شاشة أو صحيفة، كعبد الباري عطوان ومن على شاكلته، ثم يغضب حين يُسأل عن الدليل.

اختلافنا في السياسة لا يغيّر موقفنا الثابت من القضية الفلسطينية. قد ننتقد شخصًا أو خطابًا أو قرارًا أو حسابًا أو قناة أو صحيفة، ونرفض اتهامات تفتقر إلى الإنصاف، لكن ذلك لا يعني أننا تخلّينا عن فلسطين. فمن يساوي بين الاختلاف والخيانة لا يدافع عن القضية، وإنما يبتزّنا باسمها، ومن يطلب منا أن نردد عباراته حتى نثبت وقوفنا مع فلسطين وأهلها لا يريد حوارًا ولا نصرة؛ وإنما يريد جمهورًا خاضعًا يُصَفِّقُ ولا يسأل.

وغضبنا هنا مبرر؛ لأن ازدواجية معاييرهم ليست هفوة طارئة، وإنما نهج قديم يتكرر. فما الذي يجعل خياراتهم مقبولةً، وموقفنا منها خيانة؟ وما الذي يمنحهم الحق في تفتيش ضمائرنا، بينما يرفضون الإجابة عن أبسط الأسئلة المتعلقة بمواقفهم؟ فهم لا يطلبون احترام خصوصيتهم؛ وإنما يطالبون بحصانة لأنفسهم، ويستهدفون سواهم بالإدانة.

نحن لا نقبل أن تكون فلسطين حصانةً لأحد، ولا ذريعةً تعفيه من نقدنا، ولا مِنْبَرًا لِشَتْمِنا؛ وعلى كل من يتحدث باسمها أن يحترم تضحياتنا، وأن يزن كلماته قبل أن يوزع علينا التُّهَمَ؛ وعلى من يدعونا إلى رفض التطبيع أن يلتزم بمعيار واحد لا يتغيّر بتغيّر الأسماء والأهواء والمصالح؛ ومن يطالبنا بالوفاء ثم يتباهى بما يعيبه علينا، عليه أن يواجه تناقضه قبل أن يفتّش في ضمائرنا.

لسنا أعداء للفلسطينيين، ولن نكون كذلك إن شاء الله؛ وغضبنا موجّه إلى التدليس الذي يمارسه بعضهم بحقنا، وإلى الاحتلال الذي يسلبهم أرضهم وحقوقهم، وإلى كل خطاب أو شخص يسيء إلى قضيتهم أو يستغلها، وإلى كل من يطعن في مواقفنا بلا إنصاف، ثم يطالبنا بالصمت بحجة الدفاع عن فلسطين؛ واحترامنا لفلسطين وأهلها لا يعني أن نقبل الإهانة، والوفاء لهما لا يعني أن نتنازل عن حقنا في كشف التناقض والرد على افترائهم.

لن نبيع موقفًا آمنّا به منذ نحو ثمانين عامًا، ولن نسمح لمزايد أن يشوّه تاريخنا باتهام بلا دليل. ومن أراد اتهامنا فليأتِ بأدلة دامغة، لا بشتائم ودعاوى كاذبة، ومن أراد أن يروّج لمقولة إننا بعنا فلسطين فليتحلَّ بالعدل في حكمه، والصدق في موقفه، والشجاعة في مواجهة تناقضه.

قبل النكبة بعام، دافعنا في الأمم المتحدة عن مستقبل فلسطين، وطلب ممثلنا إدراج بند إنهاء الانتداب وإعلان فلسطين دولةً واحدةً مستقلةً على جدول أعمال الجمعية العامة، ثم صوّتنا ضد مشروع التقسيم.

وفي عام 1948، لم يبقَ موقفنا محصورًا في القاعات؛ فوثيقة الوفد السعودي المرفوعة إلى مجلس الأمن في مايو سجّلت وجود قواتنا في جنوب فلسطين تحت إمرة القيادة العربية، وذكرت أن عملياتنا استهدفت العصابات الصهيونية المسلحة.

وهذه شهادة رسمية كُتبت في زمن النكبة، لا عبارة أضفناها لاحقًا إلى خطابنا الوطني؛ فقد كان جنودنا يقاتلون تحت وابل الرصاص، وكانت عائلاتهم تنتظر أنباء أبنائها بين أمل عودتهم وخشية فقدهم؛ ولهذا لن نقبل أن يمحو مزايد تاريخهم بكذبة، أو يحوّل تضحياتهم إلى تهمة.

وفي سجلات شهداء فلسطين أسماء سعوديين استشهدوا على أرضها في حليقات، وبيرون إسحاق، ودير سنيد، وبيت حانون، وبيت طيما، وغزة، ورفح، وكوكبة، ونقبا، وعبْدَس، وغيرها؛ نقرأها لا بوصفها أسماءً متراصةً بلا روح، وإنما بوصفها شواهد على تضحيات رجال غادروا مدننا وقرانا نحو جبهة لا يعرفون هل سيعودون منها أم لا. فخلف كل اسم حياة كاملة انتهت هناك، وأسرة تلقت خبر الفقد، وأرض بقيت تحمل أثر خُطاهم. وحين نقول إن رجالًا من آبائنا سقطوا دفاعًا عن فلسطين، فنحن نستند إلى أسماء حفظتها سجلات الشهداء، لا إلى خطاب حماسي.

وهنا ينبغي أن نميّز بين الحقيقة التي نعتز بها والمفردات التي تظلم الآخرين؛ فلم يحمل جنودنا السلاح ضد اليهود لأنهم يهود، وإنما واجهوا العصابات الصهيونية المسلحة، وقاتلوا مشروعًا اقتلع شعبًا من أرضه، وهدم بيوته، وأقام دولة استعمارية فوق أنقاض وطنه.

وما يزال الاحتلال ينتهك حقوق الشعب الفلسطيني؛ ومن يخلط بين اليهودية والصهيونية، أو بين المدنيين والعصابات، يسيء إلى قضيتنا العادلة، ويمنح المتربصين بها فرصة لتصوير دفاعنا عن فلسطين على أنه كراهية دينية.

ومن الإنصاف أن نعترف بأن مشاركة جنودنا إلى جانب القوات العربية لم تمنع النكبة، ولم تحقق للشعب الفلسطيني حريته؛ لذلك لم نقدّمها بوصفها نصرًا حاسمًا، ولم نتخذها يومًا ذريعةً للقول إن واجبنا قد انتهى، وإنما نذكرها من باب الوفاء لمن ضحّوا بأرواحهم فعلًا في ميادين القتال.

والاعتراف بتضحياتنا لا ينتقص من نضال الفلسطينيين، ولا يبيح لأحد مصادرة تاريخنا؛ فالذين سقطوا منّا على أرض فلسطين لم يخرجوا طلبًا لصورة تُنشر أو اسم يردّده متحدث، وإنما خرجوا إلى القتال، ونالوا الشهادة، وتركوا للأجيال أثرًا لا يزول.

وذكر هذا السجل لا يعني أن جيلًا كاملًا خاض الحرب، ولا أن كل بيت فقد ابنًا؛ وإنما يعني أن دماءً سعودية طاهرة سالت فعلًا على أرض فلسطين، وأن من بين شهدائها رجالًا قدموا إليها من مدننا وقرانا؛ ولن نسمح للذين في قلوبهم مرض بأن يستعملوا القضية الفلسطينية لتسفيه تضحياتهم أو محوها من تاريخنا، حتى يستثني المزايدون أنفسهم من تحمّل المسؤولية.

ومن يشكك في وقوفنا مع فلسطين فليسأل التاريخ أولًا: من صوّت ضد تقسيمها قبل النكبة بعام؟ ومن الذين ذهبوا إلى جنوبها وبذلوا أرواحهم دفاعًا عنها؟ ومن بقيت أسماؤهم محفوظةً في سجلات الشهداء؟

أما الراقصون على أنغام أغنية (على عهدي على ديني، أنا دمي فلسطيني) التي يردّدها بعضهم بعد اتهامنا بالخيانة، فتتولى أفعالهم تكذيب ما يردّدونه؛ وما أسهل الغناء في هذا الزمان، وما أصعب الوفاء؛ يرفعون أصواتهم بها حين تخدم مزايداتهم، ويتخلّون عنها حين تختبر المواقف صدقهم؛ فهذه الكلمات لم تَخُنْ معناها، وإنما خذلها المزايدون الذين جعلوها شعارًا يردّدونه صباح مساء، ويرتمون في أحضان الإخوان وطهران، ولا عهدَ لهم يلتزمون به، ولا ذِمَّةْ.

كاتب رأي

 

 

محمد الفريدي

رئيس التحرير

تعليق واحد

  1. يدركون ذلك جيداً ..ولكن على قلوب أقفالها ..
    من ولاءه لإيران المجوسية يتجاهل الحقائق
    طمعا برضى اسياده في طهران .. ولم يستفد الدرس عندما باعتهم بالبخس وهو قيمتهم الحقيقية وكل خونة الأمة العربية …
    دام قلمك السيال .. تحياتي
    حزام بن سعيد ال فاهدهـ

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.