كُتاب الرأينحن طويق

لسنا أبناء الأرض فحسب

لسنا أبناء الأرض فحسب

نحن ذاكرتها التي تمشي على قدمين

بقلم: بدرية عبدالعزيز

ليست الأوطان حدودا مرسومة على الخرائط، ولا مساحات تقاس بالكيلومترات، ولا أسماء تردد في المناسبات الوطنية. الوطن أعمق من ذلك بكثيرإنه شيء يسكن الإنسان قبل أن يسكن الإنسان فيه ويتشكل في طباعه ومواقفه ولهجته وذاكرته، حتى يصبح جزءا من ملامحه التي لا يستطيع التخلي عنها.
هناك علاقة خفية بين الإنسان وأرضه، لا تفسرها الجغرافيا وحدها، بل تصنعها السنوات والتجارب والموروث. فالأرض لا تمنح أبناءها المكان فقط بل تترك فيهم شيئا من طبيعتها من صبرها إذا اشتدت الظروف، ومن ثباتها إذا تعاقبت المتغيرات ومن كرمها حين تعطي دون أن تنتظر المقابل.
وفي الصحراء السعودية تحديدا، لم يكن ذلك الامتداد الشاسع فراغا كما قد يراه العابرون بل كان مدرسة صنعت إنسانا يعرف قيمة الصبر ويحفظ العهد ويكرم الضيف ويصون الجار ويدرك أن الكرامة ليست كلمة تقال بل موقف يثبت عند الحاجة.
ومن هنا نفهم لماذا لا تزال النخلة أكثر من شجرة في وجدان السعودي ولماذا لا يزال الرمل أكثر من حبات متناثرة، ولماذا يحمل السيف في الذاكرة معنى العزة والشموخ قبل أن يكون رمزا من رموز التاريخ. إنها مفردات اختصرت حكاية إنسان تشكلت هويته عبر أجيال، فصار للمكان معنى في داخله، وللموروث حضور في سلوكه.
لكن السؤال الذي يستحق أن نتوقف عنده: هل يكفي أن نفتخر بتاريخ الأرض، أم أن علينا أن نكون امتدادا يليق بذلك التاريخ؟
إن أخطر ما يمكن أن يصيب الهوية أن تتحول إلى شعارات جميلة، نرفعها في المناسبات ثم نغفل معانيها في تفاصيل الحياة. فالاعتزاز الحقيقي بالوطن لا يقاس بكثرة ما نقوله عنه، وإنما بما نقدمه له، وبما نتركه من أثر في بنائه، وبمدى التزامنا بالقيم التي نفخر بالانتساب إليها.
أن تكون ابن وطنك يعني أن تكون أمينا في عملك، مخلصا في مسؤوليتك، راقيا في تعاملك، حريصا على مكتسباته، وأن تدرك أن سمعة الوطن لا تصنعها الكلمات وحدها، بل تصنعها تصرفات أبنائه في كل موقع وميدان.
وفي وطن بحجم المملكة العربية السعودية، تمتد جذوره في عمق التاريخ، وتتسع طموحاته إلى آفاق المستقبل، تصبح مسؤولية الأجيال أكبر من مجرد المحافظة على الإرث؛ إنها مسؤولية تطويره والبناء عليه. فالرؤية لا تلغي الجذور، والحداثة لا تعني التخلي عن الأصالة، والتقدم الحقيقي هو أن نمضي إلى المستقبل ونحن أكثر وعيا بقيمة ماضينا.
لقد أثبتت التجربة السعودية أن الاعتزاز بالجذور لا يتعارض مع صناعة المستقبل، وأن الإنسان يستطيع أن يحمل ذاكرة الصحراء في قلبه، ويشارك في بناء المدن الحديثة وصناعة المعرفة، ويجمع بين أصالة الموروث وطموح المستقبل، دون أن يفقد ملامحه أو يتنازل عن هويته.
وهنا تكمن عظمة الانتماء أن تتغير تفاصيل الحياة من حولك، وتتسع المدن، وتتسارع التقنية، وتتبدل أدوات العصر، بينما تبقى القيم الأصيلة حاضرة في جوهر الإنسان.
فالأوطان لا تحتاج إلى أبناء يتحدثون عن أمجادها بل تحتاج إلى أبناء يصنعون أمجادا جديدة تضاف إلى تاريخها، ويحولون الاعتزاز بالانتماء إلى عمل وإنجاز ومسؤولية.
إن الإنسان ليس عابرا على أرضه، بل هو امتداد حكايتها، وحارس ذاكرتها، وشريك في صناعة مستقبلها.
لسنا أبناء الأرض لأننا ولدنا فوق ترابها فقط، بل لأن فينا من صفاتها ما يجعلنا نشبهها؛ في صبرها وثباتها وكرمها وعزتها.
فالأرض التي أنجبتنا لا تريد منا أن نحفظ أسماءها فقط، بل أن نكون جديرين بحمل اسمها..

كاتبة رأي 

#نحن_طويق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.