كُتاب الرأي

القراءة في التعليم” المنهج الحاضر الغائب”

القراءة في التعليم” المنهج الحاضر الغائب”

سهام حسين القحطاني

“القراءة تصنع إنسانا كاملا”-فرانسيس بيكون-

تدرك الأنظمة التعليمية قديما وحديثٍا أهمية القراء، سواء أكانت في مسارها الثقافي المفتوح أو بوصفها استراتيجية تدريسية، لكن إيماننا بأهمية القراءة النهضوي يتراجع تدريجيا بقصد أو دون قصد، لنقترب من شبح عزوف الجيل الجديد عن القراءة، رغم كل جهود وزارة التعليم في توطين منهج القراءة، سواء أكان من خلال استراتيجيات الفهم القرائي أم مسابقات النشاط الطلابي في مجال القراءة وفنونها التطبيقية، أو الشراكات الثقافية المختلفة.

ومع ذلك مازال شبح عزوف الجيل عن القراءة يتوسع، وهذه إشكالية معرفية في ذاتها، إن لم نستدركها سنجني حنظلها في مستقدم الأيام.

قد يرى البعض أن المعلومة في عصر المعرفة، قد أصبحت مطروحة على الأرصفة العامة، يستطيع الجميع الحصول عليها بسهولة.

 ولذلك فإن تضخيم مشكلة العزوف عن القراءة ولاسيما عند الأجيال الجديدة، ليس بذلك الخطر الذي يهدد كياناتنا المعرفية!

والحقيقة أن حصر قيمة القراءة ووظيفتها في حدود “المعلومة” هي مغالطة معرفية، أشبه بمغالطة “رجل القش”.

فقيمة القراءة ليست محصورة في “تحصيل معلومة”.

بل هي نظام معرفي في ذاته، يتشكل بها وعي الأفراد، وتنمو بها مهاراتهم،

ويتأسس لديهم منهج نقدي وتفكيري وإبداعي، يرسم لهم استراتيجيات التنمية النهضوية والحضارية لمجتمعهم.

ولذلك ربطت الفلسفة اليونانية القراءة بنظرية المعرفة، ولم تكن الفلسفة وحدها هي التي استثمرت القراءة لتؤسس من خلالها نظرية المعرفة، بل جعلت النظريات الفكرية الحديثة أيضا القراءة أحد أهم مبادئ التصور الثقافي لدى الأفراد

والمجتمعات،و من أهم دعائم صناعة الحضارة.

كما أسهمت القراءة في تحويل المتلقي من “صامت” إلى فاعل منتج من خلال النص، وهو ما أسست له نظرية ” التلقي وجماليات النص”.

 الذي جعلت القارئ شريكًا إبداعيًا للمؤلف، وجعلت ما ينتجه من تصور معرفي رديفًا للنص الرئيس.

وبذلك فإن القراءة تٌمكن القارئ من إعادة اكتشاف ذاته ومواطن قوته المعرفية و العلمية، و يغدو النص محفزًا يستثيره فكريًا لمحاكاته في مستوى أول، ثم لإنشاء  مشروعه الفكري كمستوى ثانٍ.

ولذا عُدّ القارئ شريكا إبداعيا وفكريا محتملًا، وعدّت تصوراته حول النص، إرهاصًا أوليًا للهيكلية الأولية لمشروعه الفكري والثقافي.

إن ممارسة الطالب للقراءة تساعده على تأسيس أفقه التصوري للقضايا العلمية و الثقافية و الفكرية.

وكلما تكررت تجاربه القرائية اتسعت آفاقه التصوريّة، وتنوعت في قضايا العلم و المعرفة.

 وهذا ما ذهبت إليه “النظريات المعرفية والبنائية” التي اعتمدت الفهم القرائي في التدريس؛ فهو يُمكن الطالب من بناء تمثيل ذهني للنصوص عبر دمج المعلومات الجديدة بالمعرفة السابقة في ذاكرته.

 وهو مع كل توسع في تمثيلاته الذهنية، يتقن مهارتي المقارنة والتصنيف، وهذا الاتقان يصقل أدوات تفكيره النقدي وأساليبه.

إن الدروس التي يتلقاها الطلاب والطالبات داخل الفصول الدراسية وفي المواقف التعليمية، يجب أن تكون محفزات على القراءة، وأن يقاس بها مدى استفادتهم من المقررات التعليمية؛ لأن هذا هو المؤشر الحقيقي لنجاح عملية التعليم والتعلّم في مسارهما التنموي.

فالقراءة هي أساس إتقان الطلاب مهارات المقررات التعليمية، وليست جزءًا من تطبيقات تلك المقررات.

لذا تسعى وزارة التعليم إلى إرساء أسس صحيحة لمنظومة “الفهم القرائي” في التعليم العام، وهو ما يعني “إحياء قيمة القراءة بوصفها منهجًا تعليميًا معرفيًا تنمويًا”، لكن -ودائما تبدو الأشياء جميلة حتى تأتي لكن- هل ممارساتنا التدريسية لاستراتيجيات الفهم القرائي و أدواتها صحيحة؟،لتحقق مقاصد ذلك المنهج؟.

إن استراتيجيات الفهم القرائي لا تقتصر على المقاصد التعليمية للطلاب، بل تشمل أيضا مقاصد أسلوبية وفكرية، ليستفيدوا منها خارج أسوار المدارس، ويحوّل معرفتهم إلى أسلوب حياة.

إن استراتيجيات الفهم القرائي ليست نمطًا تعليميًا قصيرى المدى، بل هي منهج تفاعلي، يحول الطالب إلى مشروع نهضوي يسهم في تنمية المجتمع وقبل ذلك تُشكل شخصيته الحضارية التي يستطيع من خلالها خوص ميدان التنافس العالمي.

ليست القراءة ترفَا معرفيا، ولا يمكن حصرها كاستراتيجية تدريسية، إنها منهج نهضوي يُسهم في تكوين القادة والعلماء والمفكرون والمبدعون.

كل طالب قارئ هو مشروع نهضة للمجتمع.

كاتبة رأي

سهام حسين القحطاني

أديبة وكاتبة رأي سعودية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.